بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ









من أكبر المسلمات الدينية والتاريخية التي ظلت سائدة منذ قرون سواء عند المسلمين أو الغير مسلمين فكرة نشأة النبي محمد وظهور القرآن حصرا في الفرع الإسماعيلي من ذرية إبراهيم بغض النظر عن اختلافهم هل كان الأمر اصطفاء إلهي وانتقال للنبوءة من نسل إسرائيل لأمة العرب
أم مجرد هرطقة وافتراء من صنع أمة منبوذة
إلى حين ظهور بعض التيارات الحديثة الداعية لإعادة النظر في كل كبيرة وصغيرة من المسلمات الموروثة سواء تعلق الأمر بالفئة المراجعة من المستشرقين أو القرآنيين أنفسهم الذين نشأت معهم فكرة إسرائيلية مجتمع البعثة المحمدية استنادا على القراءة المتجردة للنصوص

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) سورة النمل
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ (41) سورة البقرة
والذين لم يكتفوا بنفي بنوة إسماعيل لإبراهيم التي تربط العرب ونبيهم المفترض بهذا الأخير
بل قاموا حتى بإنكار فكرة أن يعقوب هو إسرائيل التي بنى عليها اليهود والسامريون انتماءهم لنسل إبراهيم
لنجد أنفسنا أمام سلالتين مختلفتين يصعب الجزم بانتماء النبي محمد لإحداهما من دون دراسة معمقة في الكتاب...فمن جهة لدينا تركيز شبه كلي للخطاب القرآني على بني إسرائيل...ومن جهة أخرى لدينا نص صريح يوحي ببعثة النبي محمد في ذرية كل من إبراهيم وإسماعيل تماما مثلما جاء في الموروث

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (129) سورة البقرة
وما زاد الطين بلة فصل الموروثات الدينية للسلالتين الإسماعيلية والإسرائيلية جغرافيا ونفيها لوجود أدنى اختلاط بينهما...لكن بعد سقوط الفكرة وتبيان بعثة جل الأنبياء بما فيهم خاتم النبيين في نفس الأرض
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) سورة الأَحقاف
كما سبق التوضيح
الرسول محمد بعث في الأرض المباركة و ليس خارجها
فقد صار المجال مفتوحا لتقصي الحقيقة الخالصة من بينات القرآن التي تثبت اختلاط الأنساب في مجتمع البعثة وشمولها لذرية مختلف الأنبياء والأقوام الذين مروا بالمنطقة وليس فقط ذريتي إبراهيم وإسرائيل بدأ من قوم النبي نوح رأس شجرة الأنبياء
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) سورة الصافات
الذي انبثقت من ذريته
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) سورة الصافات
جميع الفروع
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (163) سورة النساء
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) سورة هود
والذي استقر أغلبها كعاد
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا (65) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ (69) سورة الأَعراف
وثمود من بعدهم
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ (74) سورة الأَعراف
في نفس الأرض التي بعث فيها نبي الله محمد
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ (38) سورة العنْكبوت
والذين ظلت أنباءهم حاضرة في ذاكرة سكان المنطقة
بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) سورة الأنبياء
من خلال تواترها بواسطة الأجيال الناجية

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ (116) سورة هود
وبالتالي فنحن أمام مجتمع مشكل من خليط مختلف الذريات الناجية من الاقوام المهلكة فقدت هويتها مع مرور الزمن وانهيار مجتمعاتها وانصهارها مع سلالات أخرى في مجتمعات جديدة
وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (45) سورة القصص
ومن أهم السلالات التي كان لها وزن وتأثير كبيرين في المنطقة سلالة النبي إبراهيم المهاجر
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) سورة الأنبياء
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) سورة إِبراهيم
التي امتد تأثيرها إلى بلاد مصر من خلال بني يعقوب
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) سورة يوسف
وبالتالي فنحن أمام عظيمة غير منقطعة الهوية
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) سورة النساء
يستلزم حضورها بقوة في مجتمع البعثة
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (129) سورة البقرة
عكس قوم نوح وعاد وثمود الخ
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) سورة مريم
والتي سبق التوضيح في المقال السابق
من هم الصابئون ؟
أنهم هم أنفسهم الصابئون ورثة صحف إبراهيم التي كانت حاضرة في زمن تنزيل القرآن
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) سورة طه
إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) سورة الأَعلى
وأن سبب عدم الإسهاب في الحديث عنهم ومخاطبتهم بشكل مباشر في كتاب الله هو عدم احتكاكهم بالنبي محمد أثناء فترة التنزيل على خلاف قومه الأميين في فترة ما قبل الهجرة
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) سورة الأَنعام
أو أهل التوراة والإنجيل أثناء فترة ما بعد الهجرة وبالأخص في مرحلة ما بعد الفتح
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (68) سورة المائدة
المشكلين بالأساس من نسل إسرائيل ابن نوح والذين على الرغم من عدم وجود معلومات كافية عن تاريخهم قبل بعثة النبي موسى إلا أنه يمكن تقصي أصولهم الحقيقية من خلال أبيهم إسرائيل التي تدل كل المؤشرات القرآنية بداء من تسميته
إسراء يل (إسراء الله)
إلى كونه العبد المسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (1) سورة الإسراء
وهو ما تم تعزيزه بأكثر من آية عددية
كما تم التفصيل في مقال

رحلة البحث عن هوية إسرائيل
وهو ما يدل على نشأتهم في أرض الله المباركة للعالمين عكس الموروثات البشرية وعلى رأسها الموروث اليهودي الأم الذي للمفارقة جعلهم أمة دخليه ومحتلة لما يصفونها بأرض الميعاد...والذين صاروا الأمة المهيمنة بعد وراثتهم لكل من الأرض
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا (137) سورة الأَعراف
والكتاب
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) سورة غافر
والتي بعث فيها آخر أجيال الأنبياء
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا (70) سورة المائدة
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (6) سورة الصف
وبالتالي فمن الطبيعي أن تختلط ببقايا سلالات الأنبياء القاطنة بالمنطقة وبالأخص سلالة النبي إبراهيم التي تأتي مباشرة في المقام الثاني من حيث المكانة والحضور وخير مثال حالة المسيح عيسى بن مريم التي أنجبها إسرائيل الملقب بعمران شخصيا من أحد نساء آل يعقوب بن إبراهيم كما توحي هوية كفيلها

وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا (37) سورة آل عمران
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى (7) سورة مريم
وبالأخص نص سورة آل عمران الذي لا يدع مجال للشك في انتماء آل عمران لآل إبراهيم من جهة الأم

إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (34) سورة آل عمران
الاختلاط الذي تمت الإشارة إليه بكل وضوح في سياق سورة مريم

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ (58) سورة مريم
وبالتالي فلا غرابة أن يتكرر نفس الاختلاط في نسب النبي محمد واحتمال أن ينحدر من كل من إسرائيل وإبراهيم وحتى إسماعيل وغيره من الأنبياء كشعيب الذي تشير كل المؤشرات إلى نشأة النبي محمد في نفس قريته كما سبق التوضيح

ما هي قرية الرسول محمد الحقيقية ؟
لكن كهوية قومية فقد كان النبي محمد منتميا إلى أحد الطوائف الإسرائيلية المنشقة عن الذين هادوا والتي كانت مرجعيتها كتاب موسى كما سبق التوضيح في أكثر من مناسبة
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا (12) سورة الأَحقاف
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ (91) سورة الأَنعام
والتي أنشأت مع مرور الزمن هوية عقائدية جديدة قائمة على تأليه الملائكة

وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ (20) سورة الزخرف
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) سورة ص
والتي كانت المخاطبة في المقام الأول في الغالبية الساحقة من سور الهجرة

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) سورة الأَنعام
قبل أن يمتد الخطاب لأهل الكتاب من أهل التوراة والإنجيل

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (68) سورة المائدة
عند احتكاك النبي و المؤمنين بهم في مرحلة ما بعد الهجرة

وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) سورة آل عمران
من دون الصائبين الذين تمت الإشارة إليهم بشكل موجز كطائفة حاضرة بقوة في مجتمع البعثة

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) سورة البقرة
كما سبق التفصيل في المقال السابق... ليبقى السؤال المطروح هل بالفعل أن سبب عدم مخاطبتهم في نصوص القرآن بشكل مباشر هو عدم احتكاكهم بالرسول والمؤمنين أو لعدم وجود ما يدعو لمخاطبتهم من الأساس مثل الذين هادوا والنصارى الذين لو تأملنا في الغالبية الساحقة من النصوص سواء المتحدثة عنهم أو الموجهة إليهم وحتى للمؤمنين سنجدها في الغالب عبارة عن لوم وذم على أفعال معينة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) سورة الصف
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) سورة آل عمران
ودعوة لاتباع الحق

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) سورة آل عمران
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) سورة آل عمران
لأن الغاية من تنزيل القرآن هو الدعوة إلى تصحيح و إصلاح ما تم إفساده من طرف البشر من خلال التوجه بالخطاب إلى الفئة المفسدة وليس الفئة المصلحة التي ظلت متمسكة بتعاليم الكتب السابقة

وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) سورة الأَعراف
و التي لا يوجد ما يدعوا لموعظتها في ما تدركه من كتابها المعتمد ولا نهيها عن ما لا تقوم به من الأساس عكس الطوائف التي قامت بالتحريف والتبديل

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ (46) سورة النساء
ورفضت الانصياع لحكم الله في كتبها

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) سورة المائدة
بل على العكس فقد جعلت مرجعية للمؤمنين الجدد والنبي نفسه من خلال دعوتهم لاتباع ملة أبيهم إبراهيم

ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) سورة النحل
وهو ما سيغير نظرتنا و تصورنا بشكل كلي لمجتمع البعثة وهوية المؤمنين الأوائل وبالأخص مجتمع الأنصار الذي كنت قد بنيت قناعتي السابقة بخصوصه على نفس الفكرة الشائعة باقتصار هوية أهل الكتاب على الذين هادوا والنصارى....وبالتالي فقد كان الاحتمال الأقرب للواقع هو تشكيل النصارى الموحدين لمجتمع الأنصار المسلمين الذي هاجر إليه المؤمنون الجدد المضطهدين من مختلف الأقوام الكافرة...الفكرة التي صارت مجرد فرضية مستبعدة بعد المستجدات الأخيرة والتي صار السؤال المطروح على ضوئها هو هل كانت هناك أصلا طوائف وأقوام مسلمة وموحدة من الذين هادوا و النصارى في مجتمع البعثة أم أن الأمر كان مقتصرا على فئة من الأفراد
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) سورة آل عمران
في مجتمعات قائمة على الشرك والكفر

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) سورة التوبة
كما هو الحال بالنسبة للقرآنيين في مجتمع السنيين...وهو ما نلمسه في مقابلة شرك الملتين اليهودية والنصرانية بالملة الإبراهيمية الحنيفة

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) سورة آل عمران
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (120) سورة البقرة
ويفسر الاختلاف الشاسع بين أوصاف كتابي ما بعد الهجرة (اليهود والنصارى)
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) سورة آل عمران
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) سورة المائدة
وأوصاف كتابيي ما قبل الهجرة الذين اعتبروا مرجعية للمؤمنين الجدد

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (36) سورة الرعد
أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) سورة الأَنعام
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) سورة القصص
وفي غياب أي تصريح واضح بوجود طوائف مسلمة من الذين هادوا والنصارى فيبقى الاحتمال الأقرب هو حديث الرحمن عن طائفة الصابئين أتباع ملة وصحف إبراهيم الحنيفة الذين اعتبروا بمثابة مجتمع النصرة والهجرة للمؤمنين الجدد

وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (100) سورة التوبة
وهو ما يتجلى بوضوح في نص سورة الأنفال التي اختصت المهاجرين بوصف الذين آمنوا من دون الأنصار

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) سورة الأَنْفال
في إشارة إلى عدم إيمانهم من قبل لنشأتهم في مجتمعات وثنية سواء تعلق الأمر بالأميين أو الذين هادوا والنصارى...عكس الأنصار الذين نشأوا في المجتمع الإبراهيمي الحنيف الخالي من مظاهر الشرك والكفر
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم