بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ











تعد قصة آدم من أكثر وأشهر القصص التي تم استغلالها للطعن في الدين والترويج لفكرة تعارضه مع العلم الحديث لدرجة صارت فيها نظرية تطور الأحياء مرادفة للادينية والإلحاد...وصارت قصة آدم مرادفة للرجعية والتخلف ومحط سخرية وتهكم اللادينيين
إلى أن ظهرت بعض الإجتهادات الحديثة الساعية لتجريد الصيغة التراثية من جوانبها الخرافية المنتقدة في الأوساط العلمية وإعادة صياغتها بحلة جديدة تتماشى مع مكتشفات العلم الحديث...لكن شأنها شأن جزء كبير من القصص القرآني في زمن ما يسمى بعصرنة وتجديد القراءة القرآنية فإنها لم تسلم من التكلف والفرضيات التي ما أنزل بها سلطان فكانت أول خطوة لضحد فكرة الخلق المباشر هي جعل آدم إسم مجموعة بشرية وليس فردا واحد والتي بمجرد خروجها من فم أحد المشاهير
حتى صارت موضوعة شائعة مع بعض التعديلات لإعطاء طابع خاص لكل باحث
والضحية هو المتابع البسيط الذي يجعل من هذه الآراء قرآنا منزلا بسبب ثقته في علم ومصداقية قائليها دون أن يدرك أنها ربما قد تكون مجرد فكرة مقتبسة في الأصل من وحي خيال البروباغندا اللادينية القائمة على الكذب والتزييف الساعية لإيهام الناس باقتباس القصص الواردة في القرآن ونصوص اليهود والمسيحيين من الأساطير السومرية والبابلية وعلى رأسها قصة آدم الذي جعلوا منه اسم للفصيلة الهجينة التي خلقها زوار الفضاء المزعومين لخدمتهم من خلال مزج حمضهم النووي بحمض البشر البدائي
وبغض النظر عن دور الإسقاطات الخارجية والأفكار المسبقة في نشأة هذه الفكرة كمحاولة ربط القصة بالتاريخ الأركيولوجي للبشر
فلا يمكن إغفال مساهمة الجهل بلسان القرآن في نشأة وتعزيز مثل هذه الأفكار كما يتجلى بكل وضوح في قراءات أحد مروجي الفكرة الذي اعتبر اختلاف الصيغ في قصة آدم وحديثها بصيغة الجمع دليلا قاطعا على حديث الرحمن عن جماعة اسمها آدم وليس عن فرد واحد
رغم عدم استقامة الأمر سواء لغويا أو قرآنيا لأكثر من اعتبار أولا كون أسماء الفصائل تكون معرفة بالألف اللام وبالتالي لو كان آدم اسم فصيلة كما يزعمون لتم تعريفه في النصوص

إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ (33) سورة آل عمران
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى
الْآدَمَ
مثل باقي أسماء الفصائل
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ (22) سورة الأَنْفال
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا (26) سورة مريم
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) سورة الرحمن
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا (142) مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ (144) سورة الأَنعام
فلا يعقل أن يتم تعريف اسم منصب إداري في مصر
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا (30) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ (78) سورة يوسف
ولا يتم تعريف اسم فصيلة المخاطبين في النصوص ! ثانيا اسم الفصيلة يشمل كل من الآباء والأبناء ولا يجوز في أي حال من الأحوال تسمية أفراد فصيلة آدم ببني آدم
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (172) سورة الأَعراف
استنادا على مصطلحات شعبية لا أساس لها في كتاب الله كبني البشر وبالأخص مصطلح ابني آدم الذي يوحي بشكل كبير بحديث الرحمن عن ولدين مباشرين لفرد معين اسمه آدم
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ (27) سورة المائدة
مثلما لا يجوز وصفه هو زوجه بأبوي بني آدم
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ (27) سورة الأَعراف
مثل أي فرد من الأفراد
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ (11) سورة النساء
واللذان لم يوصفا بآباء بني آدم بصيغة الجمع
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ آبَاءَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
مثلما يوصف أسلاف الأقوام
قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) سورة البقرة
فما بالك بآباء الفصائل ؟؟؟
ثالثا أسماء الفصائل والمجموعات لا تقرن بأسماء الأفراد لا يجوز تشبيه فرد واحد بفصيلة يفترض أصلا انتمائه إليها !

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ (59) سورة آل عمران
رابعا والنقطة الأهم أنه لا يتم الحديث عن الجماعات بصيغة المفرد ولو كانت أسماءها غير معرفة بالألف واللام كأسماء الأقوام مثل عاد وثمود
فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) سورة فصلت
وحتى بصيغة المثنى كما هو الشأن بالنسبة لحالة يأجوج ومأجوج اللذان ذكرا معا في نفس الموضع
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) سورة الكهف
وحتى لو افترضنا جدلا وجود بعض الاستثناءات التي استعمل فيها المفرد أو المثنى للحديث عن الجمع كما هو الشأن بالنسبة لقول
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) سورة فصلت
الذي لا وجود يقين تام على حديثه عن فئتين من الجن والإنس وليس عن إبليس وكل قرين مشابه له من شياطين الإنس
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) سورة الصافات
فيبقى مجرد استثناء مقتصر على جملة موجزة في حالة نادرة يستحيل أن يشمل جميع مواضع قصة مكررة ومفصلة كقصة آدم دون أن يتم الحديث عنه بصيغة الجمع ولو بمصطلح وحيد
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) سورة الإسراء
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُمْ إِلَّا قَلِيلً
باستثناء قول اهبطوا الذي وجود في ضالتهم ومدخلهم إلى هذه الفرضية التي ما أنزل الله بها من سلطان رغم عدم وجود دليل واضح ويقين تام عن حديثه حصريا عن آدم أو آدم وزوجه...وهنا مربط الفرس الذي يحيلنا إلى أحد القواعد الرئيسية في تدبر كتاب الله التي سبق التطرق إليها في مقال
جزئية القصص القرآني
والتي يغفل عنها عدد كبير من الباحثين سواء القدامى أو المراجعين الذين يبنون تصورهم على ظاهر النصوص التي لا تحيطنا بالضرورة بكامل المشهد وأن تركيزها في سياقات معينة على شخصيات أو شخصية معينة
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) سورة الأَعراف
لا يعني بالضرورة عدم شمول المشهد على أرض الواقع لشخصيات أخرى
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ (47) سورة طه
ولنا خير مثال في قصة آدم نفسها التي سيخيل لمن اكتفى بسياق سورة طه أن آدم هو المخطئ الوحيد في القصة وأن زوجته كانت مجرد ضحية لتضليل آدم
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) سورة طه
لكن عند الاطلاع على سياق سورة الأعراف فسنلاحظ شمول الذنب لكلا الزوجين
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) سورة الأَعراف
وبالتالي بما أن الرحمن قد ذكر لنا جزء من القصة كأنها حدثت مع فرد واحد رغم شمولها لزوجه ما أدرنا أنها لم تحدث مع أكثر من فردين على أرض الواقع دون ذكر ذلك بشكل صريح في القرآن ؟ فتركيز السرد الإلهي على شخصي آدم زوجه

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) سورة البقرة
لا يعني بالضرورة دخولهم بشكل منفرد للجنة وإنما هو استنتاج بشري مجسد للتصور البدائي لمسألة الخلق في العصور القديمة تم إسقاطه على القصة عند إعادة صياغتها في النصوص المنسوبة للأنبياء
سفر التكوين إصحاح 2
18 وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ».21 فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. 22 وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. 23 فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ».
قبل أن يتم اقتباسه وتوارثه في مختلف الروايات والمعتقدات...بينما المنطق و الواقع وطبيعة الجنس البشري الاجتماعية تفرض دخلوهم إلى الجنة في إطار جماعة من الأقارب للتعايش والتعاون في خدمة الأرض الجديدة...تم التركيز في مسألة اتخاذ قرار الأكل من الشجرة على العبد المصطفى منها
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) سورة آل عمران
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) سورة الأَعراف
وامرأته التي كانت مؤثرة بشكل كبير في حياته وقرارته...عكس مسألة الهبوط من الجنة التي شملت جميع الأفراد القاطنين بها
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) سورة البقرة
وقبل الخوض في باقي تفاصيل القصة هناك سؤال جوهري تم إغفاله في أغلب الأبحاث المرتبطة بها رغم أهميته القصوى ومساهمته في فهم وكشف العديد من الحقائق...فعلى الرغم من إحاطة قصة آدم بالعديد من الأسئلة النقدية والاستفسارية عبر التاريخ إلا أنه من النادر أن نسمع السؤال الأهم ألا وهو ما الحكمة والغاية من إسكان آدم في الجنة ؟ هل فقط ليستمتع هو وجنسه بملذات الطبيعة كما تفعل الأنعام ؟
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) سورة محمد
أم ليشرع في مهمة الاستخلاف التي كلف بها ؟
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) سورة البقرة
وهنا وجب التوقف عند أحد أكثر الأخطاء اللسانية الشائعة الناتجة عن الموروث اللغوي السائد والتي سبق التطرق إليها بالتفصيل في مقال
الفرق بين التعريف في القرآن ولغتنا الموروثة
وعدم دلالة الأسماء المعرفة بالضرورة على عموم أو كافة الأشياء وأن السياق هو الحكم في تحديد طبيعة الأرض
وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا (76) سورة الإسراء

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي (80) سورة يوسف
وأنه من البديهي أن تكون في قصة آدم وصف حصري للجنة التي أمر بتعميرها
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) سورة البقرة
تماما مثلما أطلق نفس الوصف على جنة الخلد
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) سورة الزمر
لكن هذا لا يعني بالضرورة صحة ما ذهب إليه المورث السني بنشأة وعيش آدم في جنة الخلد
الذي يضحده أكثر من معطى قرآني كعدم خلود آدم وزوجه في الجنة المعينة بالأمر

قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) سورة طه
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) سورة الأَعراف
بل يثبت استخلاف آدم في بقعة أرضية محددة مثل النبي داوود
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) سورة البقرة
يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (26) سورة ص
وصفت بالجنة لتوفرها على خصائص معينة من دون باقي بقاع الأرض...ونفس الملاحظة بالنسبة لمصطلح الملائكة في سياق القصة الذي ليس شرطا أن يشمل جميع ملائكة الخليقة كجبريل ميكال...بل فقط ملائكة الجان كما يتجلى بوضوح في سياق سورة الحجر

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) سورة الحجر
وكما سبق التوضيح بأدق التفاصيل في مقال
وهو ما يخلص بنا إلى الآتي أن الله كلف ملائكة الجان في البدء بإنشاء جنة فوق الأرض من أجل تهيئتها للإنسان
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) سورة ص
إلى أن يبلغ درجة التطور التي تؤهله لاستخلافهم في مهمة تطوير الجنة
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) سورة ص
بفضل قدرته الفائقة على التعلم والابتكار
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) سورة البقرة
وفي نفس الوقت لتساهم الجنة في تطور الإنسان بشكل مثالي من خلال إعادة برمجته بشكل سليم وإيجابي لتجريده من نزعة العنف والإفساد التي ورثها من أصله الحيواني والبيئة العدوانية التي نشأ فيها
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ (30) سورة البقرة
الناتجة من الخوف والحاجة بجعله في محيط خالي من جميع أشكال العناء والشقاء
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) سورة طه
ومن يدري فربما كان المشروع في الأصل هو تحويل كافة كوكب الأرض مع مرور الزمن إلى جنة يسود فيها السلم والرخاء وأنها كانت المهمة الأسمى التي خلق من أجلها الإنسان
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) سورة التين
وهو ما كان سيثبت خطأ اعتراض ملائكة الجان ومن بينهم إبليس
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) سورة البقرة
الذي دفعه تكبره وعنصريته وتعصبه لجنسه
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) سورة ص
إلى السعي لإفساد المشروع لإثبات صحة وجهة نظره الأولى ولو على حساب الحقيقة الإلهية
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) سورة البقرة
بإخراج آدم من الجنة وإعادة الجنس البشري إلى حالته السابقة من العنف والعداء
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (30) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (36) سورة البقرة
حتى تسهل السيطرة عليه والتحكم فيه
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) سورة الإسراء
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) سورة البقرة
وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) سورة الإسراء
وهو ما يحيلنا إلى أحد أكثر الأسئلة النقدية الذي يتكرر باستمرار إن كان آدم وزوجه المخطئين الوحيدين في القصة فما ذنب باقي أفراد الجنس البشري الذين حرموا من الجنة بسبب خطئ لم تقترفه أيديهم ؟ وبالأخص إن تعلق الأمر بمجموعة كانت تقطن الجنة ؟ ولماذا لم يسمح الرحمن للإنسان بالعودة في مرحلة لاحقة مثلما فعل في حالات مشابهة ؟
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) سورة المائدة
وهنا تكمن خطورة إسقاط ما ورد في الصيغ البشرية لقصة آدم على القصة الأصلية في كتاب الله أولا بحصر القصة في شخصي آدم و زوجه وإغفال جزئية القصص في كتاب الله واحتمالية أن يكون إبليس قد خاطب ووسوس لكافة القاطنين في الجنة وأن القرآن لم يقصص لنا سوى الجزء المخصص لآدم وزوجه...ثانيا بإسقاط الصيغ البشرية لذنب الأفراد المتورطين فيها على حد زعم المؤلفين على كافة الأجناس المنتمين إليها
سفر التكوين إصحاح 3
14 فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. 15 وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». 16 وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ». 17 وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.
عكس القرآن الذي اعتبر الخروج من الجنة من التبعات الحتمية لطاعة إبليس والأكل من الشجرة
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36) سورة البقرة
التي تم التحذير منها
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ (117) سورة طه
والذي لو اعتبر عقاب إلهي لمعصية آدم
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) سورة طه
لكان هناك مجال للبقاء بعد هدايته وتقبل توبته
ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) سورة طه
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) سورة البقرة
لا أن يتم تأكيد الخروج الجماعي في النص الموالي
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) سورة البقرة
وبالتالي لا علاقة للأمر بمسألة العقاب والغضب الإلهي أو بوراثة الخطيئة كما جاء في الموروث المسيحي

المناقضة لجوهر الدين الإسلامي
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) سورة المدثر
مجرد تبعات اختيار أحد الأجيال البشرية التي جعلتهم غير قادرين على البقاء في الجنة ألقت بضلالها على الأجيال اللاحقة مثل تأثير أعمال أي شخص في مصير ذريته ولو بشكل متفاوت...وهو ما كان يدركه إبليس جيدا لعلمه المسبق باستحالة البقاء في الجنة عند الأكل من الشجرة

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ (27) سورة الأَعراف
الذي تسبب في إظهار سوأة الإنسان
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا (20) فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا (22) سورة الأَعراف
والتي نجح الموروث الديني بصفة عامة في إقناع الناس بأنها مجرد وصف لما يسمى بالعورة وبالأخص الأعضاء التناسلية التي قام آدم و زوجه بتغطيتها بأوراق الجنة
فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ (22) سورة الأَعراف
حيث صار الاعتقاد الشائع أن الإنسان في الأصل لم يكن محرجا من رؤية أعضائه التناسلية قبل أن يتغير الوضع عند الأكل من الشجرة التي جعلته يشعر بالخجل
سفر التكوين إصحاح 3
6 فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. 7 فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. 8 وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. 9 فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟» 10 فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ».11 فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟»
وأنها وصفت بالسوءة لأن الإنسان يسوءه أن ينظر إليها من سواه
إلا أن ظهرت بعض القراءات أو بالأحرى بعض التكلفات الحديثة التي حاولت إعطاء صيغة جديدة للقصة بزعمها دلالة لفظ السوءة على سوء العمل الذي بدا لآدم وزوجه عند الأكل من الشجرة ! بحجة عدم وجود اللباس في بداية الخلق وأن الناس كانوا يمشون عراة دون أدنى خجل في غياب مبادئ ومفاهيم أخلاقية مثل العورة والفاحشة قبل تنزيل الأحكام الإلهية
وهناك من ذهب بعيدا باتهامهم لآدم بالفاحشة الجنسية بجعلهم من الشجرة التي دعا إليها إبليس صنفا بشريا ضال ومفسد وجعل الأكل من الشجرة ممارسة للجنس مع أحد أفراده !
والفكرة التي لو بحثنا قليلا وتأملنا في تبنيها لفكرة معاشرة آدم لامرأة أخرى فاسدة...فسنجد لها جذور في أحد الخرافات اليهودية الشهيرة
ويبقى القاسم المشترك بين هذه الاجتهادات هو تجاهلها لأوضح الأقوال القرآنية

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى (26) سورة الأَعراف
الذي تثبت بما لا يدع مجالا للشك دلالة مصطلح السوءة على الجسد الذي يتم ستره بالثياب وبالأخص قول
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا (27) سورة الأَعراف
الذي ربط بشكل صريح بين الأكل من الشجرة وبيان جزء من جسد الإنسان بنزع ثياب آدم وزوجه المعلومة الحصرية والبالغة الأهمية التي لا نجد لها أثرا في أي مصدر ديني آخر في زمننا المعاصر...والتي تدل بما لا يدع مجالا للشك على وجود لباس أصلي ثم نزعه عن جسد الإنسان عند الأكل من الشجرة وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في أحد أهم تفاصيل القصة التي كعادة السلف فقد قاموا بإسقاط تصورهم الشخصي عليها بزعمهم أن المقصود لباس من النور كان يغطي عورة الزوجين
لكن لو نظرنا للأمور بواقعية بعيدا عن كل هذه القراءات الظنية فسندرك أن اللباس الذي تحدث عنه الرحمن في نص الآية كان جزأ لا يتجزأ من جسد الإنسان وإلا لكان هناك مجال لإعادة صنعه ولبسه مرة أخرى وأن إبليس كان على علم تام بالتأثير الذي ستحدثه مكونات الشجرة التي دعا إليها على هيئة الإنسان ونزعها للباسه الطبيعي الذي تنحصر الاحتمالات بخصوصه في مادة الشعر كما هو الشأن مع باقي الحيوانات في تناغم تام مع مكتشفات العلم الحديث ودليل إضافي على تصديق القرآن للجانب العملي لنظرية التطور
كما سبق التطرق في مقال

هل يعارض القرآن فكرة تطور الأحياء ؟
وقد أطلق على الهيئة تسمية السوءة لأنها أساءته
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) سورة هود
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ (7) سورة الإسراء
الوصف النسبي المعبر عن وجهة نظر الأجيال الأولى لبني آدم تجاه هيئتهم الجديدة الشاملة لكافة جسد الإنسان كما تدل قصة إبني آدم
فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ (31) سورة المائدة
والتي تغيرت مع مرور الزمن لتصير زينة في أعين مجتمع البعث
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ (31) سورة النور
الناس تعتقد أن غاية إبليس الوحيدة كانت هي تعرية الإنسان لإفساد أخلاقه و إثارة غرائزه الجنسية الاعتقاد الصحيح إلى حد ما كما تدل النصوص القرآنية التي قامت بالتركيز على الجانب الأخلاقي للقصة ومسألة التقوى التي تعد جوهر الدين
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى (26) سورة الأَعراف
في خطاب موجه بالأساس لمجتمع غير مهتم بالجوانب العلمية والمسببات المادية التي تم التلميح إليها في قول
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) سورة طه
الذي مثلما جاء فيه الجوع مقابلا لمصطلح الظمأ الدال على العطش
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً (39) سورة النور
فالمنطقي أن يقابل البرد مصطلح الضحى الدال على الحرارة كما هو الشأن مع سخونة الشمس
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) سورة الشمس
والذي أصبح يطلق في لسان القوم على وقت النهار بصفة عامة
وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) سورة الضحى
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) سورة النازعات
وأن يدل مصطلح العري الذي لم يرد في أي موضع قرآني آخر للتأكد من معناه الحقيقي
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) سورة طه
على الإحساس بالبرودة وليس التجرد من الثياب كما تورثنا لغويا من أيام المفسرين الأوائل...وهو ما جعل آدم وزوجه وعشيرتهم في الجنة غير قادرين على البقاء فيها مما اضطرهم إلى الهجرة إلى مناطق أكثر حرارة بتوجيه إلهي...إلى أن هداهم إلى صنع الثياب من جلود الحيوانات في مرحلة لاحقة كما يتجلى بكل وضوح في قول الرحمن المخاطب لبني آدم وليس لآدم
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى (26) سورة الأَعراف
والذي لا يشير فيه مصطلح التنزيل إلى نزول مادي مباشر للثياب بل إلى التسخير الإلهي لمواد الطبيعة كما هو الشأن مع باقي أنعم الله
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ (6) سورة الزمر
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا (59) سورة يونس
مما يدل على حدوث الأمر بالتدريج في مراحل لاحقة عن آدم وحتى عن ولديه المباشرين كما تم التوضيح نص سورة المائدة...فلنتفكر قليلا لو كانت مسألة الخروج بالجنة مرتبطة بمسألة العري وعدم أهلية الإنسان بالبقاء فيها في هيئته الجديدة لتم حل المشكلة بلبس ورق الجنة
فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ (22) سورة الأَعراف
الذي على ما يبدو لم يكن كافيا لتدفئة جسد الإنسان مما اضطره للخروج...والذي حتى إن سعى للعودة إليها في فترة زمنية لاحقة عند توفر الأسباب فلن يجدها...ببساطة لأن إسم الجنة مجرد وصف لحالة ظرفية لقطعة أرضية اختصها الرحمن بخصائص طبيعية معينة في فترة زمنية محددة وليس إلى يوم الدين كما هو الشأن مع أكثر من حالة مشابهة
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (42) سورة الكهف
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) سورة القلم
وأنه من الطبيعي والبديهي أن تفنى بعد هجرة وخروج الإنسان الذي كان مكلفا بخدمتها ورعاية ثمارها...إلى هنا تبدوا الأمور واضحة و متماشية من المنطق والواقع من المنظرين القرآني والعلمي لكن يبقى هناك أحد أكثر الأسئلة المحيرة منذ أيام السلف والذي قد يوحي بتناقض القرآن لمن ليس لديه إلمام تام بأسلوب القرآن و مختلف خصائصه...وهو كيف استطاع إبليس الدخول لنفس الجنة التي طرد منها عندما قام بإغواء آدم وزوجه !؟ وبغض النظر عن تخريجات السلف البعيدة عن المنطق والواقع
بزعمها وسوسة الشيطان لآدم من خارج الجنة رغم ثبوت حديثه المباشر معهما وإشارته إلى الشجرة

وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) سورة الأَعراف
أو عودته المؤقتة ضد مشيئة الله
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) سورة الأَنعام
أو خداعه وتخفيه عن الله وتسلله في جسد الحية كما جاء في بعض التفاسير لخرافة سفر التكوين !
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) سورة الأَنعام
فهناك من سيزعم حديث الرحمن عن جنة أخرى أعلى مرتبة أو من المقام السماوي للملائكة...وهو ما لا يستقيم مع سياق القصة المتحدث حصريا عن ملائكة الجان الذين كانوا مكلفين بتسيير نفس الجنة الأرضية التي قام آدم باستخلافهم في حكمها كما تم التوضيح...والسبب الجهل بأسلوب القرآن في سرد الأحداث القائم على قاعدتين أساسيتين الإختصار الشديد لدرجة قد توحي عند سرده لأحداث مختلفة في الزمان و المكان و الأفراد عن حديثه عن تفاصيل متزامنة في نفس الواقعة
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) سورة النساء
وعدم الإلتزام بالضرورة بالتسلسل الزمني كما يتجلى على سبيل المثال في سياق قصة لوط في سورة الحجر الذي تم فيه مزج حوار النبي لوط مع الملائكة كأنه حدث في نفس اللحظة السابقة لمجيء القوم
فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) سورة الحجر
رغم ورود جزء منه على أرض الواقع في وقت لاحق بعد قدومهم وجدالهم لنبي الله كما يدل نص سورة هود
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) سورة هود
وهو ما يدعو لإعادة نظرتنا لتسلسل الأحداث في قصة آدم التي لا خلاف في بدئها باستخلاف آدم وسجود الملائكة الدال على خضوعهم و طاعتهم لآدم في حكم وتسيير الجنة باستثناء إبليس الذي عندما قام بالتمرد ورفض الانصياع لحكم الإنسان أمره الله بالخروج من الجنة كردة فعلة طبيعية
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) سورة ص
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) سورة الحجر
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) سورة الأَعراف
لكن يبقى الإشكال في عدم التدقيق في جزئية طلب إبليس بتأخيره إلى يوم البعث في حواره مع الرحمن الذي ورد بشكل جزئي وموزع بين مختلف السور والذي لو أردنا أن نضع له تسلسلا زمنيا فسنبدأ من قول
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) سورة الإسراء
الذي عرض فيه إبليس مخططه و الغاية منه من باب الإحتمال لئن سمحت لي...فسأقوم بإغواء الغالبية الساحقة...الإدعاء الذي صدقناه لاشعوريا استنادا على ضلال غالبية الأجيال الأولى من بني آدم
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) سورة الصافات
وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) سورة الأَعراف
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ (116) سورة الأَنعام
فجعلناها قاعدة ثابتة دون الأخذ بعين الاعتبار التطور البشري الذي نلمسه ولو بشكل نسبي حتى بين أقرب الأجيال
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) سورة النجم
واحتمالية انعكاس الآية مع مرور الزمن وأن تصير الغالبية من الصالحين في آخر المطاف في ظل غياب التأكيد الإلهي على العكس بما في ذلك خطاب الرحمن للبشر في نهاية المطاف يوم القيامة
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) سورة يس
والذي لم يقل
وَلَقَدْ أَضَلَّ أَكْثَرَكُمْ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
ومن هنا يمكننا استنتاج رد علام الغيوب على زعم إبليس بالنفي وعدم القدرة على تحقيق مراده بإثبات فساد البشرية وإغواء غالبية البشر...والذي ربما لم يرد في سياق القصة لعدم دفع الناس إلى التواكل إن علموا بنجاة أكثرهم...ليأتي الطلب الرسمي لإبليس من باب التحدي...فأنظرني إذن وسترى
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) سورة ص
قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) سورة الأَعراف
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) سورة الحجر
والذي تمت الإستجابة له كما هو معلوم
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) سورة الأعراف
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) سورة ص
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) سورة الحجر
ليس إرضاء لإبليس أو لرغبة الله في فتنة البشر كما يزعم البعض بل لإقامة الحجة عليه والشهادة على أرض الواقع على كذب إدعاء إبليس بظلم الله واستخلافه لمخلوق فاسد....والتي تبقى سنة الله مع جميع عباده
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) سورة الإسراء
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (165) سورة النساء
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ (89) سورة النحل
وهو ما فرض تأجيل خروجه من الجنة حتى يتسنى له ملازمة الإنسان فأصبح خروجه مقترنا بخروج هذا الأخير...فاحتفظ إبليس بمنصبه ووظيفته السابقة ضمن ملائكة الجان في الجنة الذين أصبحوا خاضعين لسلطة آدم وهو ما جعله في اتصال مباشر مع هذا الأخير أو بعبارة أدق أحد مستشاريه...وهو ما فرض تحذير آدم من مخططه الشيطاني
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) سورة طه
إن هذا....أي أنه كان يعرفه شخصيا وليس مجرد شيطان مخفي يوسوس من وراء حجاب كما يعتقد العديد...فقام إبليس بإنشاء ما أسماها بشجرة الخلد وعرضها على آدم
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) سورة طه
قبل أن يقوم الرحمن بنهيه وتحذيره منها
وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) سورة البقرة
وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) سورة الأَعراف
فلنتأمل جيدا عبارة هل أدلك...التي تدل على جهل آدم بوجودها ويثبت أن إبليس من قام بتعريف الشجرة وليس الله الذي قام فقط بالتحذير منها لاحقا...قبل أن يعود إبليس ويقوم بالطعن في نهي الرحمن والتشكيك في نواياه والزعم بسعيه لخير الإنسان أكثر من الله
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ (22) سورة الأَعراف
الكذبة التي تكررت بصيغ مختلفة مع بني آدم لدرجة دسها في النصوص المنسوبة لله كما سبق التوضيح
قصة آدم بين الأديان الإبراهيمية
فوجب التمييز بين الأمر لإبليس بالخروج الذي لم يتم على أرض الواقع أو بالأحرى تم تأجيله
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) سورة الأَعراف
وبين خروجه المتزامن مع هبوط الإنسان بعد أكله من الشجرة
قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) سورة الأَعراف
الذي لا يعني بالضرورة وروده في نفس السياق قبل قول
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) سورة الأَعراف
سبقه الزمني لدخول آدم إلى الجنة
وتبقى العبرة المستخلصة من قصة آدم أن الأمر بيد الإنسان وليس بيد الشيطان وأننا قادرون في أية لحظة على العودة للمشروع الرئيسي وتحويل الأرض إلى جنة وإفشال مخطط إبليس الذي ليس قدرا محتوما وأن ملازمته للإنسان إلى يوم الدين لا يفرض بالضرورة السيطرة عليه...وأن إبليس مجرد مثال لحالة متكررة من شياطين الجن والإنس الملازمين للإنسان طوال حياته وأن كل خطوة يقومون بها لتضليل الناس إلا قابلها إرشاد وهداية الرحمن
وتبقى الفرضيات المطروحة في هذا المقال مجرد اجتهادات شخصية قد تصيب وتخطئ الهدف منها إبراز جوانب القصة التي تم إغفالها مع الحرص على الالتزام بحريفة وواقع النصوص
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم