بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ



يعد فهم مصطلح الأرض المباركة من المفاتيح الأساسية لتحديد تاريخ و جغرافيا القرآن بشكل صحيح و دقيق حيث إرتبط في عدة مواضع قرآنية بقصص الأنبياء و الأماكن التي عاشوا فيها
من الأفكار الخاطئة التي تبين مدى محدودية مفسري السلف المذهبي حصر مفهوم الأرض المباركة في الرزق و الثمار و المياه حين إكتفوا بمعنى البركة في آية واحدة

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) سورة فصلت
تفسير الجلالين​
{ وجعل } مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي { فيها رواسي } جبالاً ثوابت { من فوقها وبارك فيها } بكثرة المياه والزروع والضروع
التي تشير فيها البركة بالفعل إلى بث الحياة بجميع أنواعها فوق الأرض فجعلوه تفسير عاما للبركة
تفسير الجلالين​
{ وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون } بالاستعباد، وهم بنو إسرائيل { مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } بالماء والشجر، صفة للأرض وهي الشام
تفسير الجلالين​
{ ونجيناه ولوطاً } ابن أخيه هاران من العراق { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } بكثرة الأنهار والأشجار وهي الشام نزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما يوم .
و أصلا فكرة هجرة إبراهيم من العراق إلى الشام التي إقتبسوها بالحرف من العهد القديم لليهود تنفي هذه الحقيقية كون العراق لا تقل ثمارا عن الشام بينما في القصص القرآني نجد تأكيد على تميز الأرض التي هاجر إليها إبراهيم و لوط بالبركة عن أرضهم السابقة
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) سورة الأنبياء
فتفسير البركة بالثمار يجعل الغالبية الساحقة من كوكبنا الحالي أرض مباركة
لكن إذا رجعنا لنصوص القرآن كاملة سنجد أن المفهوم العام للبركة في لسان القرآن هو الخير الذي يشار به للرزق و النعم من مال و ثمرات

وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) سورة ق
إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) سورة المعارج
إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) سورة العاديات
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) سورة الأعراف
مثلما يشار به إلى العمل الصالح كذلك
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) سورة البقرة
و تبقى أسمى معانيه على الإطلاق هي الوحي الإلهي
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) سورة البقرة
لما فيه من خير و نعمة للبشرية و قد وصف الله تعالى جميع الوسائل التي إستخدمها لإيصال كلامه و وحيه للناس بالبركة سواء تعبق الأمر بذكر يتلى عليهم
وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) سورة الأنبياء
أو كتابا يقرأونه
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) سورة الأنعام
و حتى الليلة التي أختيرت لنزول الوحي إعتبرت مباركة
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) سورة الدخان
نفس الشيء بالنسبة للبيت الحرام الذي جعل قياما للناس لذكر الله و تلاوة آياته
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) سورة آل عمران
و نفس الشيء بالنسبة لأنبياءه الذين قاموا بمهمة إيصال كلمة الله للعباد
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) سورة مريم
و هو ما ينطبق أيضا على الأمم الصالحة من ذرية من حملوا مع نوح
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) سورة هود
الذين إتبعوا رسل ربهم و ساهموا في نشر رسالاته و إظهار الحق على الباطل على خلاف الأمم الكافرة من نفس النسل
و عندما نعود للآية

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) سورة آل عمران
التي تؤكد بركة البيت الحرام سنخلص بسرعة إلى أن مفهوم البركة هنا لا علاقة له بالثمار كون أرض البيت الحرام في الأساس أرض غير ذات زرع
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) سورة إبراهيم
فبإختصار يكمن تصنيف مفهوم الأرض المباركة في لسان القرآن إلى صنفين بركة الرزق و الثمار التي تنطبق على جل كوكبنا الحالي
و بركة الوحي و الرسالات التي تنطبق على أرض الأنبياء التي كانت قبلة و هجرت جل رسل الله

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) سورة الأعراف
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) سورة الأنبياء
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) سورة الأنبياء
و التي إختارها الله تعالى و إختار أهلها لحمل رسالاته
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) سورة الدخان
التي إكتملت مع خاتمة الرسالات التي جعلت البركة تخرج من أرض معينة و شعب معين لتعم جميع أنحاء العالم