بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يعد التسليم بالأفكار المسبقة من أكبر العوائق التي تمنع الإنسان من التطور وكسب مزيد مع العلم والمعرفة وتكمن خطورة الأمر في استمرار تأثير القناعات المسبقة على نظرة الإنسان للأشياء رغم سعيه للتجرد منها وحرصه الشديد على الإلتزام بمبدأ الحياد لأن العقل الباطن المتحكم في الغالبية الساحقة من الأفكار والقرارت قد تمت برمجته على التعامل مع العديد من المعلومات على أنها حقائق مسلمة مما يدفعه إلى تجاهل كل ما يعترضها من معطيات إلى أن يتم تصحيح المعلومة سواء من مصدر خارجي أو من خلال إعادة البرمجة بتكرار التدبر المتجرد لنصوص القرآن
في هذا المقال سأتطرق لأحد الأمثلة الصارخة لمدى تأثير القناعات المسبقة في حجب أبرز الحقائق واستمرارها في خداعنا حتى بعد اعتقادنا بالتخلص والتجرد التام من تأثيرها بعد ثورة نقد التراث في السنوات الأخيرة...وكيف تمر الغالبية الساحقة من المتدبرين مرور الكرام أمام أحد الحقائق البالغة الأهمية والذين لو قمنا بسؤالهم عن مفهوم الصعق في القرآن فلن يرتدد أغلبهم في التأكيد على دلالته على الموت والهلاك في ظل بديهية الأمر وشدة بيانه معناه في مختلف السياقات التي ورد فيها المصلطح
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (45) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) سورة النمل
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) سورة فصلت
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) سورة الذاريات
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) سورة فصلت
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (68) سورة الزمر
ومع ذلك فستتغير نظرتهم لنفس المصطلح في نص قرآني وحيد ويعتبرونه مجرد حالة إغماء
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا (143) سورة الأَعراف
نص قرأناه مئات المرات وقرأه من قبلنا بنفس الوثيرة دون أن يخطر ببال الغالبية الساحقة أنه يصف بكل وضوح موت النبي موسى عند محاولته رؤية الله عز وجل ! والسبب تأثر عقلنا الباطن بما تم ترسيخه من أفكار مسبقة
تفسير الجلالين
{ وخرَّ موسى صَعقا } مغشيا عليه لهول ما رأى
وهو ما يدفع العقل الواعي إلى استبعاد ذكر القرآن لمعلومة بالغة العظم كموت النبي موسى دون أن يتطفن الناس للأمر وهنا تكمن مشكلة ترسيخ الأفكار المسبقة التي تدفع الإنسان إلى التشبثت بالقناعة الموروثة وجعلها حكما على النص القرآني ورفض وتجاهل كل ما يعترضها من حقائق والتي حتى بعد بيانها فقد نجد من يعترض على الأمر ويبحث عن كل ما يعزز الفكرة السابقة كالإحتجاج بقاعدة اللفظ المشترك وأنه ليس شرط أن يدل الصعق على نفس حالة الموت في جميع النصوص وأن هناك العديد من الألفاظ القرآنية التي تحمل أكثر معنى رغم اختلاف حالة هذه الأخيرة التي تكررت دلالتها المختلفة في أكثر من سياق بوضوح لا يدع مجالا للشك في تغير المعنى
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) سورة الغاشية
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) سورة الغاشية
ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) سورة التكاثر
وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ (9) سورة القصص
مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ (2) سورة الحشر
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) سورة البقرة
أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) سورة المطففين
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) سورة الجاثية
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) سورة النساء
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) سورة النجم
مع حالة فعل صعق ومشتقاته الذي لم يرد بغير مفهوم الموت إلا في القراءة الموروثة لحادثة صعق موسى القابلة للجدل ولاحتمالية الموت بنظرة محايدة
قد يتساءل البعض قائلين لو أراد الله الإشارة إلى موت النبي موسى فلماذا لم يقطع في المسألة بذكره حرفيا كما هو الحال في سياقات أخرى
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى مَيِّتًا
بدل ترك المجال مفتوحا للشك باستعمال مصطلحات قابلة لأكثر من فهم واحتمال...لكن ما يجهله هؤلاء أننا نحن أو بالأحرى آسلافنا من جعلوا مصطلح الصعق قابل لأكثر من معنى وقاموا بترسيخ هذه القناعة اللغوية في الأجيال الموالية بعد أن كان مقتصرا على الموت في لغة القرآن الأصلية
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) سورة الطور
شأنه شأن مصطلح الهلاك على سبيل المثال الذي لا يوجد من يشكك في دلالته على الموت في جميع الأحوال
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88) سورة القصص
حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) سورة يوسف
حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا (34) سورة غافر
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42) سورة الأَنْفال
ويشترط استبدالة بمصطلح الموت...ونفس الإسقاط اللغوي عرفه فعل أفاق
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) سورة الأَعراف
الذي لا يمكن الجزم بصحة مفهومه المتوارث المقتصر على الإستيقاظ ونفي احتمالية دلالته على البعثة من الموت
لكن الأعجب من كل ذلك أننا لم نقم بربط الحادثة مع حالة مماثلة ذكرت في سياق نفس القصة والذي يصل لدرجة التطابق ورغم تكرار استعمال نفس مصطلح الصعق للدلالة على الموت
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) سورة البقرة
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) سورة الأَعراف
نفس الحالة كل من موسى وقومه طالبوا رؤية الله وكلاهما تم صعقه عند محاولة النظر فلماذا سيتغير الوضع مع موسى وتؤدي نفس الظروف التي تسببت في موت قومه إلى مجرد الإغماء ؟! وهو ما تم تأكيده حتى في نصوص العهد القديم التي ذكرت استحالة عدم الموت عند محاولة رؤية الله في الخطاب الموجه للنبي موسى بالذاتالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) سورة البقرة
أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) سورة المطففين
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) سورة الجاثية
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) سورة النساء
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) سورة النجم
مع حالة فعل صعق ومشتقاته الذي لم يرد بغير مفهوم الموت إلا في القراءة الموروثة لحادثة صعق موسى القابلة للجدل ولاحتمالية الموت بنظرة محايدة
قد يتساءل البعض قائلين لو أراد الله الإشارة إلى موت النبي موسى فلماذا لم يقطع في المسألة بذكره حرفيا كما هو الحال في سياقات أخرى
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى مَيِّتًا
بدل ترك المجال مفتوحا للشك باستعمال مصطلحات قابلة لأكثر من فهم واحتمال...لكن ما يجهله هؤلاء أننا نحن أو بالأحرى آسلافنا من جعلوا مصطلح الصعق قابل لأكثر من معنى وقاموا بترسيخ هذه القناعة اللغوية في الأجيال الموالية بعد أن كان مقتصرا على الموت في لغة القرآن الأصلية
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) سورة الطور
شأنه شأن مصطلح الهلاك على سبيل المثال الذي لا يوجد من يشكك في دلالته على الموت في جميع الأحوال
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88) سورة القصص
حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) سورة يوسف
حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا (34) سورة غافر
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42) سورة الأَنْفال
ويشترط استبدالة بمصطلح الموت...ونفس الإسقاط اللغوي عرفه فعل أفاق
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) سورة الأَعراف
الذي لا يمكن الجزم بصحة مفهومه المتوارث المقتصر على الإستيقاظ ونفي احتمالية دلالته على البعثة من الموت
لكن الأعجب من كل ذلك أننا لم نقم بربط الحادثة مع حالة مماثلة ذكرت في سياق نفس القصة والذي يصل لدرجة التطابق ورغم تكرار استعمال نفس مصطلح الصعق للدلالة على الموت
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) سورة البقرة
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) سورة الأَعراف
سفر الخروج إصحاح 33
17 فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «هذَا الأَمْرُ أَيْضًا الَّذِي تَكَلَّمْتَ عَنْهُ أَفْعَلُهُ، لأَنَّكَ وَجَدْتَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ، وَعَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ». 18 فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ».19 فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ». 20 وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ».
وهو ما قد يفسر سبب تأخر موسى عن قومه بعشرة أيام إضافيةوَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (142) سورة الأَعراف
الذي ربما قد يكون الوقت الذي قدره الرحمن لإعادة إحيائه وإصلاح ما لحق جسده من إصابات وأضرار وفي نفس الوقت لتكون هذه المدة الإضافية اختبارا لقومه الذين اتخذوا فيها العجل كما هو معلوم
وتبقى معلومة موت النبي موسى في القرآن مجرد حالة من بين العديد من الحالات المماثلة لعلمية غسيل الدماغ وتحويله عن أوضوح الواضحات في كتاب الله والتي إن كان منها ما تم توضيحه وبيان حقيقته بفضل الله وأصبحت معلومة وشائعة بين الناس فإن ذلك لا يعني في أي من الأحوال إحاطتنا بجميع الحقائق الغائبة بل وجب الحرص على الإستمرار في تكرار التدبر المجرد لكتاب الله و التمحيص في كل صغيرة وكبيرة وعدم التسليم بأية فكرة مسبقة مهما بدت صحيحة للولهة الأولى
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
