بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كما سبق التطرق في المقال السابق
الاعتراض على ظاهر القرآن
فقد ظهرت في الآونة الأخيرة فئة حديثة من المؤمنين برسالة القرآن بدأت في الطعن ورفض بعض ما جاء في صريح كتاب الله والذي لا مجال للتشكيك في معناه اللغوي الظاهر وحجتهم في ذلك مخالفته للعقل والمنطق حسب رؤيتهم المحدودة للأشياء وعلى رأس القائمة مسألة آيات الأنبياء المعرفة في تراثنا باصطلاح المعجزات الحسية وكما سبق التوضيح فإن الباب والمقدمة التي يسعون بها لإدخال أفكارهم إلى عقول الناس هي تصوير صريح القرآن على أنه جزء من التراث البشري المنسوب لله ورسوله من خلال حرصهم على ترديد عبارات مثل هذا ما يقوله التراث...حسب التراث...حسب تفاسير التراث...كما يتجلى في أحد أكثر النماذج تعبيرا عن هذه الظاهرة التي أعلنت صاحبته رفضها القاطع لمسألة تعزيز الأنبياء بآيات حسية
وتبقى الملاحظة الأبرز في مثل هذه الأبحاث اعتمادها في المقام الأول على مغالطة رجل القش من خلال حرصها على تعميم بعض القراءات والآراء المختلف عليها حتى بين أصحابها حتى يتم وضع المشاهد بين خياري الفكرة المرفوضة والاقتراح البديل لها...وكمثال زعم صاحبة الطرح بحساب ولوم من كفر بالآيات الحسية رغم عدم اطلاعه عليها ومشاهدته لها حتى يتسنى الترويج لفكرتها الرئيسية بعدم عدل التمييز والتفضيل بين الأفراد والأقوام بالمعجزات وأنه من الغير المنطقي أن يطالب ممن لم يشاهد هذه الآيات أن يؤمن بها...وأنا أتساءل هنا أين ورد في القرآن أو بالأحرى في حرفية نصوصه التي تطعن فيها بلزوم إيمان من لم يشاهد ويطلع على هذه الآيات ؟ إذا كان حتى أصحاب التراث أنفسهم مختلفون في المسألة ومنهم من يجزم بعدم تكفير إلا من أقيمت عليه الحجة الإلهية
هكذا يتم تأسيس فكرة من شيء لا وجود له
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) سورة الإسراء
ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) سورة الأَنعام
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) سورة الشعراء
والهدف إيهام الناس بظلم ولا منطقية حرفية النصوص القرآنية...لكن لو أمعنا في الأمور قليلا فسنلاحظ أن الظلم واللامنطق الحقيقيان هو مطالبة من ثبت لك صدقه بما لا يدع مجالا للشك بالدليل المادي على كل ما روى لك من أنباء غائبة عن إدراكك الحسي وهذا بالضبط ما تطالب به صاحبة الطرح التي ترفض على حد قولها الإيمان بأشياء لم تراها بأم عينها رغم إيمانها بألوهية القرآن وصدقه في باقي الأمور في أقصى درجات التناقض والمغالطة المنطقية والكيل بمكيالين فإن تثبت أن القرآن من عند الله
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) سورة النساء
فلم يعد هناك مجال لتكذيب ما جاء فيه والمطالبة بالدليل المادي على ما ورد فيه من أنباء غيبية لأسباب بديهية
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا (87) سورة النساء
وقبول غيب نفس الكتاب في أشياء معينة
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) سورة الحج
ورفضه في أمور أخرى
والاعتراض على نفس اللسان الذي تم قبوله والاقتناع بواسطته بألوهية القرآن
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (4) سورة إِبراهيم
واستبداله في مواضع أخرى بحجة عدم الاقتناع
وإلا فلن يكون هذا الكتاب هدى لمن يتبنون هذا المنطق المتنافر
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) سورة البقرة
الذين تتجلى مدى سطحية قراءتهم للنصوص القرآنية في الأمثلة التي قامت صاحبة الطرح بضربها كسؤالها عن السبب في عدم تفجير ينبوع من الأرض لمحمد
وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) سورة الإسراء
مثلما تم تفجير اثنا عشر عينا لموسى
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا (60) سورة البقرة
متجاهلة الفرق الشاسع بين حالة قوم محمد الذين كانوا مستقرين في قريتهم والذي كان طلبهم من باب التعجيز وبين قوم موسى الذين كانوا في حالة هجرة وتنقل وبحاجة ماسة إلى الطعام والشراب...وأن رفضها في حالة قوم موسى لنفس اللسان الذي اعتمدت عليه في حالة قوم محمد يعد مغالطة منطقية وانتقائية وكيل بمكيالين
أو حديثها عن ظلم الأعمى الذي لم يشاهد تحول عصى موسى إلى ثعبان
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) سورة الأَعراف
وهزيمته لسحرة فرعون
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) سورة الأَعراف
غافلة عن حقيقة أن النبي موسى لم يدع المصريين وقتها لملته ولا لكتابه الذي لم ينزل بعد بل اقتصرت مهمته على دعوتهم إلى فك رقاب بني إسرائيل
فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) سورة طه
وأن رسالته كانت مخصصة لفرعون وملائه المعينين بالقضية وليس لعموم القوم
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) سورة الزخرف
وأنه لو آمن فرعون وملائه منذ البداية ووافقوا على فك سراح قوم موسى
قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) سورة الأَعراف
لما جلب السحرة من الأساس
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) سورة الأَعراف
ولما دعي عامة الشعب للحضور ومشاهدة الآيات
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) سورة الشعراء
وهو ما ينفي مطالبة وإلزام الأعمى بالإيمان برسالة غير موجهة إليه من الأساس وأصلا لماذا سيحضر الأعمى لمشاهدة صراع السحرة (حسب اعتقاده) الذي لا يدرك إلا بالأبصار !؟ باستثناء إن كان يثق في شهادة عموم الحاضرين وبالأخص إن شهدوا بنصر وصدق عدوهم التي تجعل الحجة قائمة عليه أيضا في هذه الحالة...هكذا يتم عرض أنصاف الحقائق لإعطاء سورة لا علاقة لها بواقع النصوص حتى تسهل إدانتها واستبدالها بما لم ينزل به الله من سلطان واتهام الرحمن بالظلم لأنه لم يخاطب عموم بني إسرائيل بدل مخاطبة موسى لوحده كأن من شاهد مختلف آيات الإله الذي حررهم من عبوديتهم لآل فرعون وأغرق عدوهم بعد فرق البحر أمامهم
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) سورة البقرة
بحاجة لأدلة إضافية على ألوهيته ومصداقية رسوله المبعوث بخصوص ما رآه فوق الجبل ؟ والهدف بطبيعة الحال هو تقديم البدائل المقترحة كحلول أكثر صلاح وفائدة ومنطقية من ظاهر القرآن في أقصى تجليات اللامنطق الذي يؤكد من جهة أن الإيمان يجب أن يبنى على الاقتناع بمحتوى الرسالة وليس على حامل الرسالة والآيات المؤيدة له...ومن جهة أخرى يسعى لاستبدال محتوى نفس الرسالة لعدم اقتناعه بما جاء فيه بدل من رفض الرسالة والكفر بها والاعتراف بأنها ليست من عند الله (حسب رؤيته) وعدم التكلف في قراءة النصوص الواضحة وضوح الشمس حتى تتماشى مع أفكاره المسبقة...والذي لا يدل سوى على قيام صاحبة الطرح بنفس ما تتهم وتلوم عليه الغير بالتبعية العمياء لموروث الآباء وعدم القدرة على التخلي عنه واستبداله بالحقيقة (حسب رؤيتها) وكما تقول شفرة أوكام فإن أبسط الحلول هو أصحها في أغلب الأحوال...وبالتالي إن كان ظاهر القرآن غير مقنع (حسب اعتقادها) فالمنطقي والأقرب للواقع أنه ببساطة ليس من عند الله وأنه مجرد تأليف بشري مثله باقي الموروثات الدينية والزعم بدون دليل برمزية النصوص ودلالتها على غير ظاهرها ما هو سوى حل ترقيعي عاطفي غير مقبول لدى من يحترم ذكائه وذكاء الغير
فكما يلاحظ فالطرح من أساسه مبني على مغالطة منطقية ومليء بالتناقضات وهو ما يتجلى في أغلب ما جاء فيه كاعتراض صاحبته على عدم تأييدنا بالآيات في زمننا المعاصر مثلما تم تأييد الأولين واصفة إياه بالظلم لتعود وتعترض على تأييدنا من دونهم بالآيات العلمية والعددية وتصفه أيضا بالظلم للأولين
كأنه يستلزم تطابق الآيات عند جميع الأمم في كل زمان ومكان وكأن الإنسان المعاصر الذي أدرك مدى عظمة ودقة خلق الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة تستلزمه نفس حجة الإنسان البدائي الذي كان يتصور الله كعملاق طوله ستون ذراع يعيش في السماء في نفس صورة الإنسان
صحيح البخاري
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: خلق الله آدم في صورته وطوله ستون ذراعا
وينجب الأولادعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: خلق الله آدم في صورته وطوله ستون ذراعا
أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) سورة الصافات
وقد تخفى عنه الأشياء
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) سورة فصلت
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) سورة هود
وكأن رؤية جبريل في الأفق
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) سورة التكوير
والإنجاب من دون علاقة جنسية
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) سورة الأنبياء
وإحضار عرش ملك سبأ في رمشة عين
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ (40) سورة النمل
في زمن امتطاء البغال والحمير
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) سورة النحل
سيكون لهم نفس الوقع في زمن الهولوغرام والتلقيح الصناعي والانتقال الآني ! وفي سبيل الانتصار لهذه الفكرة الأبعد ما يكون عن المنطق يتم الطعن وتكذيب آيات الله البينات والتعامل بسطحية غير مقبولة مع آيات القرآن العلمية والعددية من خلال عرض مغالطات لا علاقة لها بالواقع كالزعم بأن ما يوصف بالإعجاز العلمي يقوم بتعطيل مجموعة من النصوص ويجعلها غير مفهومة للأمم السابقة لزمن اكتشاف تفسيرها العلمي وهو ما يجانب الصواب لأن دخول المعلومة في إطار علم الغيب
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (3) سورة البقرة
لا يعني في أي حال من الأحوال إبهام النص أو الجملة الموضحة لها وعدم وضوح المثال المضروب فيها
فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) سورة الأَنعام
وكون البعض سيموت قبل إدراك تأويل هذه الآيات على أرض الواقع
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا (93) سورة النمل
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ا/لْحَقُّ (53) سورة فصلت
لا يغير في شيء في لزوم إيمانه بغيبها إذا تثبت له أن القرآن حق
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ (86) سورة آل عمران
ونفس الملاحظة بالنسبة للآيات العددية التي بدل أن تستخلص قناعتها بخصوصها من خلال التجربة ودراستها بشكل ممنهج للتأكد من صحتها أو زيفها وتكليف النفس عناء البحث في مختلف الأمثلة المعروضة التي لا تدع مجالا للشك في مصداقيتها لمن يتحرى الحقيقة
تماثل إسمي عيسى وآدم في القرآن
اعتمدت المبدأ المرفوض في المناهج العلمية بجعل النظرية والفكرة المسبقة فوق التجربة باستخفاف وسطحية لا يصدقان بمحاولة تلخيص الأمر في معضلة اختلاف عدد الحروف والكلمات بين القراءات المتوارثة للقرآن مدعية أن اختلاف حرف واحد بين هذه القراءات ينسف ما يوصف بالإعجاز العددي من أساسه كأن الاختلاف الذي لا يتعدى بضعة حروف وكلمات معدودة يشمل جميع الكلمات والحروف القرآنية بدون استثناء وأننا نجد على سبيل المثال اختلاف في أسماء آدم ونوح وعيسى بين مختلف القراءات ؟
تماثل أسماء آدم ونوح وعيسى في سورة مريم
أصلا لو بلغ الاختلاف إلى هذه الدرجة فلم يعد هناك ذكر ولا قرآن يمكنه اتباعه واعتماده من الأساس ! وحتى لو سلمنا بصحة هذا الزعم الذي يصح في بعض الحالات للأمانة فإن ذلك لا ينفي ولا يلغي وجود وحجية هذه الآيات العددية ولو وردت في قراءة وحيدة من بين القراءات والتي لا يمكن إثبات زيفها إلا من خلال التجربة وتوضيح بطلان معايير الحساب المعتمدة فيها كما هو الشأن مع بعض الإعجازات المروج لها إعلاميا
زيف إعجاز نسبة البر والبحر
زيف إعجاز تماثل كلمتي ملائكة وشياطين
لكن بمجرد أن تثبت حجية واحدة منها فقط
فوجب إعطاء تفسير منطقي للأمر
الآيات العددية القائمة على آيات السور
وتبقى الآيات العددية مثال حي وأكبر شاهد في زمننا المعاصر على تخصيص الآيات وعدم تعميمها على جميع البشر في كل زمان ومكان...لكن في مثل الأطروحات فلا مكان للبحث والتجربة وتبقى الهيمنة للفكرة المسبقة كأن صاحبتها تمتلك الحقيقة المطلقة الغير قابلة للخطأ التي تسمح لها بتصحيح وتبديل كلام الله المنزل...وليته كان طرحا فيه شيء من المنطق والواقعية وليس استخفاف لا يصدق بعقول الناس
كالزعم بأن مفهوم إلقاء العصا هو إلقاء موسى وتخليه عن عصيانه وكبرياءه وأفكاره المتحرجة واستبدلها بأفكار متطورة ومرنة وقابلة للنقاش وخالية من التبعية العمياء والتي أقنع بها السحرة...حيث لم تكتفي باتهام الله وحشاه بسوء التعبير وسوء التواصل مع العباد عندما نصبت نفسها مترجمة لكلامه المبين مثلما يفعل دعاة التراث الذين تنتقدهم...بل اتهمت النبي موسى الذي كان قمة في التواضع والإيمان حتى قبل حادثة الإلقاء
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) سورة القصص
بالعصيان والكبرياء وتحجر الأفكار والتبعية العمياء بدون أدنى دليل....لكن الملفت أنها في إطار الحديث عن إلقاء موسى للعصا اختارت بالذات عرض نص سورة طه رغم وروده في سياق زمني سابق للقاء موسى مع السحرة وعدم ذكره لمصطلح العصا
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) سورة طه
بدل القولين المرتبطين بالحادثة واللذان ورد فيها لفظ العصا بكل وضوح
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) سورة الشعراء
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) سورة الأَعراف
وهو ما يوضح مدى معاناة دعاة التفاسير الباطنية في التوفيق بين قراءاتهم المتكلفة ومختلف الكلمات الواردة في السياق وإقناع الناس بعلاقة إلقاء الأفكار بحيوان الثعبان ! بل وحتى سياق سورة طه نفسه يطرح نفس المشكلة حسب قراءتها المتكلفة حيث سيصير المعنى إحياء وسعي أفكار موسى المتخلي عنها في أقصى درجات اللامعنى الذي تصفه صاحبته بالمنطق ! لكن المعضلة الأكبر هي عندما يتم عرض السياق الكامل
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) سورة طه
ويستلزم توضيح مفهوم التوكأ على الأفكار وكيف يهش بها على الأغنام ! وهل سيعيد الله أفكار موسى الجديدة المليئة بالهدى إلى سيرتها السابقة المليئة بالضلال فقط لأن موسى خشى منها ! هذا إن أجبرنا عقولنا على تقبل فكرة أن المقصود بالعصا التي بيمين موسى هي بالفعل أفكاره الرجعية !
كيف يكون غرق فرعون مجرد غرق معنوي يرمز للغرق في ظلمات الجهل والضلال وقد أعلن إيمانه وإسلامه عندما أدركه الغرق !؟
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) سورة يونس
وكيف يدخل الرحمن النار
وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) سورة هود
من آمن وأسلم له في الحياة الدنيا ؟
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) سورة القلم
باستثناء إن كان الإيمان في لحظة الموت والهلاك الحقيقيان اللذان لا فرصة ورجعة فيهما
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) سورة غافر
فمشكلة أصحاب هذا الفكر أنهم يستسهلون الأمر ولا ينظرون إلى تبعات ما يقدمون عليه بتوريطهم لكتاب الله في مشاكل أكبر بكثير من تلك التي يدعون وجودها ويزعمون حلها...وأنهم يقومون بتقديم خدمة جلية لمنتقدي الإسلام ومناصري الموروث على حد سواء بتشويههم لسمعة فكر إنكار السنة بإلباسه ثوب هذا المنهج الفاقد للمصداقية...بل ويورطون كتاب الله في مشاكل تمتد لما وراء مسألة الآيات الحسية بنظرتهم المحدودة ورفضهم لمبدأ التفضيل والتمييز بين العباد في الحياة الدنيا
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ (165) سورة الأَنعام
وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (71) سورة النحل
الذي سيعد ظلما حسب نفس المعيار الذي وضعته صاحبة الطرح بالنسبة للآيات الحسية الذي يلزم تطابق الظروف والتجربة بالنسبة لجميع العباد وعدم عدل محاسبة الفقير بنفس حساب الغني على ذنوب مثل السرقة أو أكل أموال الناس بالباطل الخ وهنا لن ينفع نفي الواقع الملموس والمعاش بين البشر
فبدل دراسة الأمور بواقعية وانصاف بهدف الوصول إلى الحقيقة يقومون في سبيل الانتصار لأفكارهم بالتعاطي للنصوص القرآنية بنفس السطحية والنقد الهدام والغير موضوعي الذي يقوم بهما منتقدي الإسلام بمحاولة تسخيف القصص القرآني بأقوال مثل هل كان فرعون غبي حتى يجهل أن من قام بشق البحر قادر على إرجاعه كما كان وإغراقه هو وجنوده
كأن هناك ذرة عقلانية في منطق وتصرفات الكافر
وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) سورة الملك
عندما يطغى التكبر ويدفع العناد إلى تجاهل أوضح الواضحات
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) سورة النمل
أو كجعل الموروث المسيحي حجة على حرفية النصوص القرآنية كاتخاذ عدم ورود آية كلام المسيح المهد في الأناجيل المسيحية
فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) سورة مريم
دليلا قاطعا على عدم حدوثه وأنه لا يمكن للمسيحيين أن يجهلوا مثل هذه الآية العظيمة المرتبطة بنبيهم
دون أن تكلف نفسها عناء البحث في النصوص المسيحية التي تستشهد بها وفي خلفيتها التي تثبت الجهل الكبير لمخترعيها بشخصية المسيح البعيدة كل البعد عن شخصية يسوع المصطنعة في العهد الجديد كما سبق التوضيح في أكثر من مناسبة
الهرطقة المسيحية
لأن الهدف هو فقط النقد الهدام الذي لا يهدف سوى للانتصار لفكرة مسبقة وليس طرح الإشكالات من باب التساؤل بهدف إدراك الحقيقة والتصحيح...وهو ما يفقد مثل هذه الأبحاث مصداقيتها ويبعدها عن جوهر أهدافها المعلنة
ويبقى مجرد مثال ونموذج بسيط مما يسمى بغير وجه حق بالقراءة العقلانية للقرآن والتي يبقى عنوانها الأبرز وقاسمها المشترك التخبط والعشوائية وانعدام المعالم وأطالب كل من كل يتبنى هذا الفكر والمنطق أن يقوم بإعادة صياغة القرآن من ألفه إلى يائه إلى معانيه الباطنية المزعومة لنرى كيف سيتعامل مع مختلف السياقات التي يقومون بتجاهلها عند عرض قراءاتهم المبتورة ؟ وللأسف يبقى المؤمن العادي الغير مطلع على كامل الصورة هو ضحية ما أصبحنا نراه من فوضى وعشوائية باسم التدبر المعاصر لكتاب الله
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
