بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يعتقد العديد من الناس أن القرآن كتاب شامل ومستقل لا يحتاج العودة لما سبقه من رسائل سماوية لإدراك بعض الحقائق وقد بنيت هذه القناعة بالخصوص على مقارنته بالكتاب المقدس لليهود والمسيحيين الشامل حسب طريقة صياغته وزعم كتابه على مجموع كتابات أنبياء بني إسرائيل بشكل متسلسل يكمل بعضه البعض حيث لن نجد تفاصيل قصة آدم في مزامير داوود وقصة نوح في سفر أيوب وعودة إلى قصة موسى في الأناجيل المسيحية الخ وبناء على هذه المعطيات أصبح الاعتقاد السائد أن القرآن عبارة عن نسخة جديدة ومختلفة شاملة لقصص التوراة والإنجيل الخ تمت صياغتها بأسلوب يناسب لسان العرب
لكن هذا الاعتقاد اصطدم بواقع إيجاز وإبهام ذكر بعض الأقوام والأفراد في نصوص القرآن التي دفعت الأوائل إلى حل الإشكال بما نسبوه للرسول من روايات مبينة ومفصلة لما تم إيجازه في القرآن على حد زعمهم
والتي تعد غالبيتها في حقيقة الأمر مجرد عودة لتفاصيل قصص العهدين القديم والجديد لملإ فراغ ما استشكل عليهم إدراكه من نصوص القرآن...والتي أصبحت تتخذ حجة على كل منكر للموروث متشبث بالقرآن سواء من طرف حراس السنة أو حتى من غير المسلمين الذين من مصلحتهم أن تستمر الأمور على وضعها الحالي بطرح أسئلة تعجيزية على شاكلة من هو أبو لهب ؟ من هم أصحاب الفيل من دون العودة للسيرة والأحاديث ؟
ورغم محاولات واجتهادات البعض لتقديم الأجوبة كربط أصحاب الفيل بقوم لوط بناء على مصطلح وحيد لا يكفي للجزم وبلوغ درجة اليقين
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) سورة الحجر
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) سورة الفيل
أو الزعم بأن أبو لهب هو فرعون رغم عدم استقامة الأمر قرآنيا
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) سورة المسد
وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (11) سورة التحريم
فهناك حالات يستحيل تحديد هوية أصحابها لذكرها بشكل موجز يستحيل معه الاجتهاد
وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) سورة ص
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) سورة الأنبياء
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) سورة الفرقان
أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) سورة الدخان
وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) سورة ق
وحتى لو بحثنا في المرويات التي يتخذون عجز القرآنيين في الأمثلة السابقة حجية لها فسنجدها عاجزة عن تقديم الخبر اليقين والمفصل في جميع الحالات بدون استثناء...وبالأخص تلك الغائبة عن كتب اليهود والمسيحيين
وبالتالي وجب تجنب السقوط في الفخ واختراع أشياء مشكوك في صحتها أو لا علاقة لها بالنصوص للإثبات عدم وجود أنباء ناقصة ومبهمة في القرآن بدل البحث عن السبب الحقيقي والحكمة من ذكرها بشكل موجز في كتاب الله الذي يمكننا تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء جزء مخصص للدين والشريعة والعبادة شامل لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته اليومية الذي يعد الجزء الأهم الذي يستلزم تبيان كل شيء
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (89) سورة النحل
جزء مخصص لسيرة النبي محمد ومجتمع البعثة
لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) سورة الأنبياء
وجزء مخصص لقصص الشخصيات والأنبياء السابقين
هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي (24) سورة الأنبياء
الذي يعد مجرد قصص للعبرة
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (111) سورة يوسف
غير ملزمة في جميع تفاصيلها للمؤمنين في كل زمان ومكان شأنها شأن تفاصيل السيرة المحمدية التي إن كانت ملزمة بالنسبة لمجتمعه المعاصر
وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (53) سورة الأحزاب
فإنها تدخل في إطار الجزء الثالث المخصص لقصص الأنبياء بالنسبة للأمم اللاحقة أي ذكر ذكر من قبلهم وليس ذكر من معهم...والذين لن يغير في شيء من إيمانهم أو معرفتهم بما يلزمهم من الدين والشريعة إن نزعنا من القرآن سورتي الفيل والمسد وغيرها من الأسماء الموجزة للأفراد والأقوام والدليل تصريح القرآن نفسه بتجاهله لقصص العديد من الأنبياء
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ (164) سورة النساء
والأقوام المنذرة
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) سورة الفرقان
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ (9) سورة إِبراهيم
التي حتما قد ورد ذكرها في الرسائل السابقة دون يطلعها الحكيم الخبير لنا ولمجتمع البعثة في القرآن لحكمة معينة...ولو ألقينا نظرة على أكثر القصص التي تم التركيز عليها في كتاب الله كعاد وثمود ومدين وقومي نوح ولوط فسنلاحظ أنها كانت أكثر القصص شهرة وشعبية في محيط مجتمع البعثة وبالأخص بالنسبة لقوم الرسول المخاطبين في السواد الأعظم من سور ما قبل الهجرة التي تم فيها التركيز على هذه القصص من خلال ما تم تواتره من أنباء من الفرق الناجية
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ (116) سورة هود
عن أسباب هلاك القرى المجاورة
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى (27) سورة الأَحقاف
فجاء القرآن لتأكيد هذه القصص والأنباء
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ (38) سورة العنْكبوت
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) سورة الصافات
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا (40) سورة الفرقان
وتذكير المكذبين بمصير من سبقهم في الكفر والطغيان
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) سورة فصلت
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) سورة محمد
حتى لا تكون لهم حجة على الله في يوم الحساب
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) سورة طه
في المقابل سنجد قرى أخرى تم ذكر هلاكها بشكل موجز دون الخوض في التفاصيل كأصحاب الرس وقوم إبراهيم وقوم تبع النبي الذي تحول بقدرة قادر إلى ملك من ملوك اليمن في كتب الموروث !
وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) سورة الحج
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) سورة ق
ربما بسبب عدم شيوع تفاصيل هذه القصص بشكل كبير واقتصار ذكرى هلاكها عند البعض فقط أو بسبب بعدها الجغرافي الذي لا يسمح باطلاع أغلب القوم على أثار هلاكها كما هو الشأن مع قرية النبي إبراهيم الذي قدم مهاجر من خارج الأرض المباركة
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) سورة الأنبياء
لكن الهدف من هذه القصص ليس مجرد التذكير وتكرار ما كان يعلمه قوم الرسول بهدف الإنذار بل قامت بتزويدهم بتفاصيل إضافية خارجة عن نطاق علمهم
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ (49) سورة هود
طبعا المقصود هنا ليس قصة نوح في حد ذاتها التي كانت خطوطها العريضة معلومة بالنسبة إليهم
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) سورة يس
بل التفاصيل الغائبة عن موروثهم كمعلومة كفر وغرق أحد أبناء نوح
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) سورة هود
والتي كانت آية لهم ولأهل الكتاب تشهد على صدق نبوءة محمد بتصديق القرآن لما جاء في الرسائل السابقة
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) سورة طه
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) سورة الشعراء
وبالتالي ليس شرطا إن تتم إعادة سرد جميع قصص الأنبياء من الألف إلى الياء فكيفي ذكر بعض الإشارات والتفاصيلوَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) سورة الشعراء
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) سورة آل عمران
لإثبات تصديق القرآن لما سبقه من كتاب
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) سورة يونس
في مسائل غائبة عن الأميين
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (157) سورة الأَعراف
الذين كان يلزمهم العودة للتوراة والإنجيل الحقيقيان المعاصران لزمن التنزيل لمعرفة التفاصيل الكاملة لهذه القصص كالعلاقة بين المثل المضروب من طرف الملائكة واستغفار النبي داوود
إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) سورة ص
وهو ما يثبت أن القرآن مكمل لما سبقه من الكتاب وليس كتاب مستقل عنه بشكل كلي كما يتجلى بكل وضوح في قول
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (31) سورة فاطر
الذي وصف القرآن بأنه جزء من الكتاب وليس كل الكتاب الشامل لمختلف الرسائل السماوية
فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ (213) سورة البقرة
فسواء نزلت التوراة والإنجيل الحقيقيان وغيرها من الرسائل بصيغة شبيهة بالقرآن أو كانت مكملة لبعضها بنفس صياغة العهدين القديم والجديد باقتصار كل جزء على سيرة نبيه المبلغ وأن القرآن جاء ليعيد صياغتها جميعا للأميين الذين لم يكن لديهم إطلاع كامل لقصصها
وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) سورة سبأ
فيبقى القرآن في جميع الأحوال الجزء الخاتم والمكمل لنفس الكتاب الذي يمكن اعتباره التحديث الأخير للكتاب الذي قام بإكمال جميع تفاصيل الدين
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (3) سورة المائدة
وإعادة سرد أهم وأشهر قصص الأنبياء
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) سورة القصص
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) سورة مريم
لتكون آية لمن عاصر زمن التنزيل وعبرة للأمم اللاحقة دون الحاجة للعودة للتحديثات السابقة من الكتاب كالتوراة والإنجيل اللذان لم يعد هناك جدوى من استمرار حفظهما بعد تنزيل النسخة الخاتمة الشاملة لكل ما يحتاجه الناس من شرائع وأحكام وقصص للعبرة إلى يوم الدين...البعض قد يتساءل كيف يمكن اعتبار رسائل الله كتابا واحد وقد وصفت بالكتب في أكثر من نص
كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (285) سورة البقرة
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) سورة التحريم
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (136) سورة النساء
دون الأخذ بعين الاعتبار احتمالية وجود خطأ في النسخ وورود مصطلح الكتاب بدون ألف في المصاحف الأولى قبل مرحلة التشكيل في العديد من المواضع
ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ (2) سورة البقرة
وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (44) سورة البقرة
بما في ذلك النصوص التي ورد فيها مصطلح الكتب
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا (136) سورة النساء
وأن يكون النطق الصحيح في حقيقة الأمر هو
كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ (285) سورة البقرة
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) سورة التحريم
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ (136) سورة النساء
وأن استعمال مصطلح الكتاب في نفس السياق للإشارة إلى كل من القرآن وما سبقه من رسائل وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) سورة التحريم
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ (136) سورة النساء
آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ (136) سورة النساء
لا يعني بالضرورة حديث الرحمن عن كتابين مختلفين بل عن جنس الكتاب الذي يشار به إلى الصيغة المكتوبة للوحي لدلالة الأسماء المعرفة في لسان القرآن على جنس الأشياء وليس بالضرورة على عمومها وكافتها كما سبق التوضيح في مقال
الفرق بين التعريف في القرآن ولغتنا الموروثة
وهو ما يثبته ذكر الرسائل السماوية السابقة بصيغة المفرد بدل قول والكتب التي أنزلت من قبل
وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ (136) سورة النساء
في إشارة إلى انتمائها إلى نفس الكتاب
وحتى لو وضعنا هذه الاحتمالية جنبنا وسلمنا بصحة القراءة الموروثة فلا يوجد ما يمنع من وصف أجزاء نفس الكتاب بالكتب كما يتجلى بكل وضوح في قول
رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) سورة البينة
الذي وصف أجزاء نفس الرسالة السماوية بالكتب بصيغة الجمع
فخلاصة القول أن القرآن كتاب كامل وشامل فيما يخص المسائل العقائدية والدينية ومختلف تفاصيل الشريعة لكن بالنسبة لبعض الأنباء الغيبية وقصص الأنبياء فيبقى كتابا مكملا يستلزم العودة لما سبقه للإحاطة بكامل الحقائق والتفاصيل...وهي ليست دعوى للعودة والاعتماد المطلق على ما يسمى بالكتاب المقدس الذي طالته جميع أنواع التحريف والتبديل بل تمت إعادة صياغته بطرق لا تمت للواقع في العديد من خطوطه العريضة بل هي دعوى للاكتفاء في زمننا الحالي بما لدينا من أنباء في القرآن والذي لا يمنعنا في نفس الوقت من استخلاص العديد من الحقائق بواسطة الاستنتاج سواء من خلال ربط النصوص القرآنية ببعضها كما رأينا في أكثر من حالة
هل بالفعل مريم العذراء و مريم أخت النبي هارون شخصيتين مختلفتين ؟
أو حتى الاستعانة بما وافق القرآن من باقي النصوص الدينية
النبي يعقوب ليس هو إسرائيل
والتي أظهرت لنا بعض الحقائق التي يصعب استنتاجها من دون ربط القرآن بهذه الكتب كحقيقة انتماء الجن للملائكة في الأصل واقتصار أمر السجود لآدم عليهم من دون باقي الملائكة
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) سورة الحجر
كما تم التفصيل في مقال
بل يمكن الاستعانة حتى بالآيات العددية المكتشفة حديثا في كتاب الله للإحاطة ببعض الحقائق الغائبة عن من سبقنا من أمم كما هو الشأن مع شخصية إسرائيل المحيرة
لكن بالرغم من ذلك فستظل بعض الأنباء غائبة عن علمنا من دون الاطلاع على محتوى النسخ السابقة من الكتاب...ليبقى السؤال المطروح هو بإمكاننا في يوم من الأيام العثور على هذه النسخ للاطلاع على كامل الكتاب و الإحاطة بمختلف قصص الأنبياء بشكل أعم وأشمل ؟ هذا ما سنناقشه في المقال المقبل بحول الله
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
