بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ






عند طرحي قبل حوالي سنة ونصف لمسألة أخطاء النساخ التحريف النصي لبعض الكلمات القرآنية في المصاحف الحالية وبالأخص لاحتمالية بشرية الآية الأخيرة من سورة النساء

تساؤلات بخصوص آية الكلالة
اعتقدت أن الأمر نظرا لأهميته القصوى وخطورته الشديدة سيحدث جدلا كبيرا بين مؤيد ساعي لتطهير كتاب الله من كل الشوائب وبين معارض متريث تدفعه الخشية من الله إلى إعادة الرؤية من زوايا أخرى وأن ينتج عن ذلك حل لهذه المشاكل لبلوغ الحقيقة إما بظهور حلول فيها تثبيت لظاهر النصوص المشتبه فيها أو الخروج بيقين تام ببشريتها للشروع في عملية التصحيح وبالأخص أنني قمت بعرضها من باب التساؤل وليس من باب الجزم...لكن باستثناء بعض التعليقات والآراء المعدودة على رؤوس الأصابع حينها فقد قوبل الأمر بتجاهل سواء من طرف الباحثين والمتدبرين لكتاب الله أو حتى من طرف السائلين...وهو ما يجلي مدى صعوبة تقبل الفكرة حتى بالنسبة لمنكري الموروث المذهبي الذي يضل تأثيره قائما على فئة كبيرة ممن يعتقدون أنهم تخلصوا منه...والذي كلما كان شائعا كما هو الشأن مع فكرة توقيف وعصمة الخط القرآني كلما صعب التشكيك فيه وقبول نقده بالرفض أو التجاهل...وكلما شاع نقده ورفضه كما هو الشأن مع ما يسمى بالسنة النبوية بمختلف أوجهها كلما سهل نقده وضعف تأثيره...وهو ما يتجلى في الرد الجدي الوحيد الذي بلغني في الأيام الماضية بعد طول انتظار بخصوص آية الكلالة
ما هي الكلالة ؟

حيث وجد صاحبه الحل في حصر مفهوم الكلالة في موت الوالدين والزعم بحديث الآية 12 عن حالة وجود الأولاد
وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ (12) سورة النساء
وتفصيل الآية 176 لحالة عدم وجودهم
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (176) سورة النساء
الأمر الذي قد يبدو منطقي ومتماشي مع حرفية النصوص للوهلة الأولى والحل الأنسب لمن يسارع في قبول كل ما يطمئنه بصحة مسلماته الموروثة...لكننا لو نظرنا للأمور بقليل من الجدية والتدبر فسنلاحظ تجاهل كلي للمشاكل التي قمت بالإشارة إليها في الآية الأخيرة من سورة النساء واختزال الرد في قالب حسابات وتقسيمات بديلة عن تلك التي عرضتها في مقال
حدود الميراث بين قراءة الموروث وواقع النصوص

كأن توجيه الأنظار إلى جزء من المشكلة وتجاهل البقية سيقوم بإلغائها ويسفر عن نتيجة مختلفة ! وكأن الزعم بوجود الولد في الحالة الأولى من الكلالة سيحل الإشكال ويجيب عن السؤال المحير عن الأسباب المنطقية لتأجيل الحديث عن جزء من حدود الميراث التي تم الحسم فيها وعرضها بأدق التفصيل في بداية سورة النساء
تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) سورة النساء
إلى ختام السورة بصيغة الاستدراك بعد سؤال الناس
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ (176) سورة النساء
كأن الله تعالى وحشاه قد نسي أو غفل عن الأمر حتى ذكره السائلون الذين يفترض أنه كان يعلم سؤالهم حتى قبل تنزيله للقرآن وصياغته للسور ! بدل تفصيل الأمر في مكانه المخصص بدقته وبلاغته المعهودة والإشارة للحالتين معا (على افتراض صحة الزعم) في نفس السياق ونفس الجملة
وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ وَلَهُ وَلَدٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
مثلما فعل مع تركة الأبوين والزوجين
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ (12) سورة النساء
وكأن الزعم بتخصيص الآية 176 لحكم عدم وجود الولد سيحل معضلة غياب حصة ما فوق الأختين فيها
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ...وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
والتي عندما سألت صاحب المقال عنها لم يجد من سبيل سوى اللجوء للحسابات والاجتهاد الشخصي لتوضيح ما يستلزم ذكره حرفيا في نص الآية لو اعتمدنا نفس منطق الآية 12 الربانية التي قامت بتفصيلها إلى جانب نفس الحالتين الواردتين في 176

يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (11) سورة النساء
التي من الصعب التقبل أن يكون من باب الصدفة أن تتطابق نفس النسب الثلاثة للأولاد مع النسب الثلاثة للإخوة في الآية 176
وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ...وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ
وأن تعطى بالذات نفس نسبة البنات فوق اثنتين للأختين
فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ...فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ
لتحل معضلة عدم ذكر نصيب الأختين في الآية 11 حسب القراءة السلفية
أول شيء يمكن ملاحظته هو أن كاتب القرآن نسي أن يذكر مقدار ما ترثه البنتين، حيث اقتصر على ذكر مقدار ميراث البنت الواحدة (نصف الميراث) إضافة إلى ما فوق البنتين (ثلثي الميراث)
لإقناع الناس بدلالة كل من عبارتي اثنتين وفوق اثنتين على كل من المثنى والجمع حتى يتم الاستناد على كل آية لتعويض النقص الموجود في الأخرى كما جاء في التفاسير...لكن الأعجب من كل ذلك هو قبول صاحب الطرح للمفهوم السلفي لعبارة للذكر مثل حظ الأنثيين في الآية 176 الشامل لجميع حالات مقابلة الذكر للأنثى بعد رفضه له في الآية 11 لتسببه في خطأ حسابي جسيم كما سبق التوضيح في مقال
هل أخطأ القرآن في تقسيم المواريث ؟
وحصره في حالة مضاعفة الإناث للذكر أو لعدد الذكور كما ذكر بكل وضوح في مقاله

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ : أي حصة الذكر تعادل حصة الأنثيين و هذا في حالة عدم تناظر ذَكر واحد مع أكثر من أنثيين
وهو تناقض صارخ وازدواجية واضحة في المعايير سقط فيها كل من رفض القراءة التقليدية لعبارة للذكر مثل حظ الأنثيين في الآية 11 وقبلها في الآية 176 كما نبه المتشبثون بها في كلتا الآيتين
وأنه لا يعقل أن تستعمل نفس العبارة للتعميم وفي نفس الوقت للدلالة على ما تم تخصيصه من نفس العموم !كأنه لا توجد عبارات أخرى أكثر دقة وبلاغة لوصف عموم تركة الإخوة والأخوات

وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ ضِعْفُ الْأُنْثَى
وهو ما يفرض قبول القراءة السلفية للآية 11 التي نسبت للقرآن أكثر من خطأ في كلتا الآيتين أو رفضها فيهما معها
دون الحديث عن باقي المشاكل التي سبق لي الإشارة إليها في المقال المخصص والتي لا داعي للعودة إليها والتي تستلزم المرور عليها جميعا قبل الزعم بحل المشكلة وإثبات ألوهية الآية التي تبدو عند التأمل مجرد استنساخ وتثبيت للفكرة السلفية الغير منطقية بانفراد الذكر من دون الأنثى بكامل التركة في حالة عدم وجود ورثة آخرين

وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ
الحالة لم ترد حرفيا في أي نصيب من النصب الواردة في الآيتين 11 و12 لبديهية إعطاء عموم التركة للوريث في حالة عدم وجود ورثة آخرين والتي غفل صاحب المقال عن ذكرها وتوضيح كيفية تقسيم التركة بين الأخ والزوج في حالة عدم وجود آباء وأبناء ؟؟؟
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ (12) وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (176) سورة النساء
والذي أشكره على العموم على مجهوده ومحاولته التي تطرقت لأحد الاحتمالات التي لم تطرح من قبل والتي لم تزد سوى في تعزيز احتمالية بشرية الآية وما أصبحنا ندركه بما لا يدع مجالا للشك بخصوص عدم عصمة المصاحف الموروثة
وخلافا لما قد يعتقده البعض فلست هنا للدعوة لفتح أبواب الفتنة والترويج لبعض الأفكار الاستشراقية الطاعنة في الرسم والتشكيل الحالي للمصاحف والداعية لإعادته من الصفر والذي لو لم يكن معبرا عن نفس معاني الوحي الأصلي في السواد الأعظم من النصوص للمسنا فيه اختلافا كثيرا

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) سورة النساء
كما هو الشأن مع باقي الكتابات البشرية
لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
وهم ما تم توضيحه بأدق التفاصيل والدلائل المادية والمنطقية في مقال
توضيح بخصوص حفظ الذكر
وباستحالة فقدان الذكر المحفوظ المتمثل في الحقيقة القرآنية الموجودة في نصوصه التي تمت صيغتها بطريقة تكشف الأخطاء والزيادة البشرية وتمنع طمس الحقيقة الربانية وهو ما يحيلنا للحديث على بعض الأمثلة التي عرضها بعض الأخوة المتابعين للمدونة المؤيدين لفكرة التحريف النصي للقرآن والتي كنت وعدت بالتطرق إليها وأجلت الحديث عنها إلى حين طرح الموضوع مجددا...حيث قاموا بعرض ما اعتبروه أمثلة مشابهة وإضافية على تحريف نص المصاحف الموروثة والتي تزعم وجود نصوص ناقصة وجمل محذوفة من المصاحف
أول مشكلة في هذا الادعاء هو نفيه لحفظ الذكر

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) سورة الحجر
لأنه عندما يتم الزعم بحذف جمل وكلمات من القرآن مع انعدام السبل لاسترجاعها من المصاحف الموروثة فإنك تقر بفقدان جزء من كلام الله في رسالته الخاتمة على خلاف الزعم بوجود نصوص مضافة في المصاحف
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) سورة النساء
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
والتي ينفي حذفها في حالة ثبوت خطئها حفظ الذكر...لأن كلام الله في هذه الحالة سيظل كاملا مكمولا
أو حتى كلمات منقوصة

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124) سورة البقرة
في حالة وجود إمكانية لاسترجاعها
وَإِذِ ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ رَبِّهِ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124) سورة البقرة
ما دام لم يتم طمس حقيقة الذكر في هذه الحالة


تفسير الطبري​

{ وَإِذْ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ } قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : لَمْ يُبْتَلَ أَحَد بِهَذَا الدِّين فَأَقَامَهُ إلَّا إبْرَاهِيمُ , ابْتَلَاهُ اللَّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهنَّ
الملاحظ أيضا اكتفاؤهم بالجانب اللغوي للاستدلال على التحريف رغم عدم اتقاننا للغة القرآن وخصائصها بشكل مطلق في وقتنا الراهن على خلاف الأمثلة التي سبق لي التطرق إليها والتي تم فيها استنتاج التحريف من خلال بيان تعارض النصوص عند مقارنتها ببعضها
بالإضافة لإغفالهم للنقطة الأهم ألا وهي دوافع التحريف وهل هناك أصلا أسباب منطقية تدعوا لحذف هذه النصوص ؟ فمثلا بالنسبة لآية الكلالة فالدوافع واضحة وتستحق المجازفة...لكن بالنسبة لما قاموا بطرحه من أمثلة وكما سيتضح عند عرضها فلا يوجد ما يدعوا أصلا للتحريف والحذف أو الإضافة والمجازفة بتلقي سهام اللعن والتكفير في ظل الصعوبة البالغة في تبديل نصوص القرآن التي يدركها الجميع...وفي نفس الوقت لا يمكن الزعم بأنها مجرد أخطاء مطبعية ناتجة عن السهو والجهل لتكرارها في أكثر من موضع كما هو الشأن مع قول
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا (31) سورة الرعد
حيث زعموا وجود فراغ وجزء ناقص بين قولي كلم به الموتى وبل لله الأمر جميعا
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى.....بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا
يستلزم أن يكون فيه الجواب لجملة الافتراض بناء على ما جاء في باقي النصوص القرآنية التي وردت فيها نفس عبارة لو أن

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (96) سورة الأَعراف
والتي تبتدأ فيها جملة الجواب باللام
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) سورة الزمر
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) سورة البقرة
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) سورة الأَنعام
أو الفاء
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) سورة الشعراء
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا (167) سورة البقرة
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) سورة الزمر
بالإضافة إلى النصوص التي جاء فيها الجواب بالنفي
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ (36) سورة المائدة
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ (111) سورة الأَنعام
وهو ما يبدو صحيحا للوهلة الأولى ويعطي حجية لادعائهم ويدعو لإعادة النظر في الآية 31 لو اقتصر الأمر على نصها لكن عندما تتكرر نفس الحالة في نصوص أخرى لا نجد فيها جواب الشرط
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) سورة هود
فإن ذلك يدعوا لإعادة النظر في ادعائهم وليس في نص الآية لأنه من الصعب التقبل أن تسفر الصدفة عن ارتكاب النساخ لنفس الخطأ في أكثر من موضع...والغريب أنهم أقروا بأنفسهم بالأمر واعترفوا بعرضهم لتكرار ما اعتبروه أخطاء في أكثر من موضع بل وفي نفس السور
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ....وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) سورة النور
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.....وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) سورة النور
التي استشهدوا بنفس نصوصها لإثباته

وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) سورة النور
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا (21) سورة النور
كأن ناسخ بداية سورة النور (ما دمنا نتحدث عن نفس السياق) سيكرر نفس الخطأ مرتين بين 10 آيات فقط فيرتكبه في الآية 10 ثم يقوم باستدراك الأمر وتصحيحه في الآية 14 ثم يعود ويسقط فيه مرة أخرى في الآية 20 ليعود مرة ثانية ويقوم بالتصحيح الآية 21 !
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا (21) سورة النور
باستثناء إن كان الحذف مقصود ومراد بهدف الاختصار وتجنب ذكر وتكرار ما هو معلوم وبديهي للقارئ...وبالتالي إن كان الأمر كذلك فما الذي يثبت لنا أن الأمر قد صدر بالفعل عن بعض النساخ بشكل منفرد وأنه ليس جزء لا يتجزأ من أساليب لغة القوم التي نزل بها القرآن
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (4) سورة إِبراهيم
يدخل في إطار أسلوب الحذف الملموس في العديد من النصوص القرآنية ؟ الذي يهدف للاختصار وتجنب تكرار ذكر أوضح الواضحات
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) سورة المعارج
هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ بِهِ (57) سورة الواقعة
خدمة لجمالية السياق

هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) سورة الواقعة
ويبقى السؤال الأهم لماذا المجازفة بحذف النصوص لأسباب ثانوية في كتاب ثبت بالملموس مدى صعوبة إضافة
والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم
أو تبديل
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (25) سورة النساء
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ مَوَالِيهِنَّ
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) سورة الصافات
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ
وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (4) سورة الطَّلَاق
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ وَاللَّائِي لَمْ يَبْلُغْنَ المَحِيضَ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
أو حذف نصوصه
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (4) سورة محمد
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) سورة النساء
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
في أهم الأمور التي ظلت ولا تزال تزعج البعض والتي اضطروا للتجاهل أو اختراع ونسب روايات وتفاسير للرسول وأقربائه لتبديل معانها الظاهر في النصوص ؟ والأهم من ذلك كله كيف كانت ستبدو النصوص
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) سورة هود
لو تم الاحتفاظ بالجزء المحذوف منها ؟

قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً فَأَمْنَعَكُمْ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ فَأَعْتَزِلُكُمْ (80) سورة هود
وهل يجوز أصلا قول ؟؟؟
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا (31) سورة الرعد
أم أن الحذف مشروع ومبرر ؟
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا (31) سورة الرعد
وأن متطلبات السياق هي من تحدد الأنسب ومتى يستلزم الحذف ومتى وجب الاحتفاظ بالعبارة ؟
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) سورة الأَنعام
فلو لم تكن هناك واو العطف في قولي
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) سورة النور
لَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) سورة النور
لكان هناك مجال للزعم والافتراض بوجود عبارة ناقصة وبلزوم كسر الألف في حرف إن
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.....إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
لَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ......إِنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
أما الزعم بأن يكون النص الأصلي بمثل هذه الركاكة
وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْضَالِينَ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
لَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
فالادعاء هنا غير مقبول بالمرة
وهنا أود دعوة الإخوان المتدربين والباحثين في المجال بعدم التسرع في إصدار الأحكام وأن لا يصير التشكيك في نصوص المصاحف بدون أدلة قطعية عادة شائعة مثل التشكيك في باقي أوجه الموروث...لأن الأمر جد خطير وحساس ولا يقبل الخطأ لأن سمعة القرآن هنا هي التي على المحك...وإن بدأنا في الترويج لفكرة وجود عشرات النصوص المحذوفة من القرآن بدون أدلة قطعية

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ (59) سورة التوبة
وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) سورة الفتح
فعلى نبوءة حفظ الذكر السلام
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) سورة الحجر
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم