بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ






تعد مسألة تصحيح المفاهيم الموروثة للكلمات القرآنية من الخطوات الضرورية التي لا غنى عنها في سبيل الفهم الشامل لنصوص القرآن لكنها للأسف لم تحظى لحد الساعة بالاهتمام اللازم ولم تأخذ بالجدية المطلوبة حيث يظل التشبث بالموروث اللغوي هو السائد بل يرى البعض أن الطعن في ثوابت هذه الأخير يعد طعنا في أساس اللغة التي لا يمكن فهم القرآن من دونها وأنه إن تم التشكيك في المعاني الشائعة لبعض الكلمات القرآنية فإن ذلك يفتح باب التشكيك في معاني جميع الكلمات القرآنية بدون استثناء
أول ما يجب إدراكه هو استحالة تحريف وتغيير اللغة بشكل كامل كونها إرث بشري متواتر ومتداول بين جميع أفراد المجتمع بدون انقطاع ولا توقف عكس باقي الموروثات المقتصرة على أفراد وأزمنة وأماكن معينة والتي يستحيل التأكد من مصداقيتها وصحة نسبتها للأزمنة والأماكن والأفراد المنسوبة إليهم كما هو الشأن على سبيل المثال مع ما يسمى بالموروث الإسلامي سواء الشفهي أو العملي الذي تمت روايته أو تناقله من طرف واحد قبل أن يشيع كموروث تاريخي وديني بين افراد المجتمع والذي لا نجد ما يؤده في باقي المصادر التاريخية والدينية على خلاف لغة القرآن التي يمكن التأكد من مصداقية عدد كبير من المفاهيم الموروثة لألفاظها من خلال ورود نفس الألفاظ أو ما شبهها بنفس المفاهيم في مختلف اللغات مما يدل على انحدارها جميعا من نفس الأصل الذي يستحيل أن يطال فروعه المختلفة نفس التحريف...وكمثال كلمتي الأب والأم

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) سورة عبس
اللتان نجدهما بنفس المعنى ونفس اللفظ وما شبه في عدد كبير من اللغات واللهجات في مختلف بقاع الأرض وبالتالي عندما نجد مصطلح مثل أبت
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) سورة مريم
بنفس المعنى ونفس اللفظ تقريبا في لغة جد بعيدة لفظا ومكانا فلا مجال للتشكيك في المعنى الموروث للكلمة في القرآن وهو ما يثبت سلامة بنائه اللغوي والمفاهيم الموروثة للغالبية الكبرى من كلماته وأن الاستثناء لا يخل بتوازن الأساس الذي يبقى حكما على ما اختلف في فهمه من كلمات...وبالتالي لا يمكننا التشكيك في البديهيات اللغوية والزعم على سبيل المثال بأن اثنا عشر ليس اسم عدد وأن الشهر والعام ليسا اسمين لوحدتي قياس زمنيتين
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا (37) سورة التوبة
وبالأخص عندما يتم تأكيد المعنى بلغة الأعداد التي لا يمكن نفيها ولا التلاعب بها من خلال تكرار كلمة شهر بنفس عدد شهور العام الاثنا عشر
عدد مرات ذكر كلمة شهر في القرآن
وانطلاقا من هنا يمكن التأكد من مصداقية مفاهيم باقي المصطلحات المكونة لنفس الجملة كعدة حرام حلال الخ واعتمادها في فهم جمل ومصطلحات أخرى وهكذا دواليك...وبالتالي فلا يمكننا مثلا التشكيك في كون الأرض هي الأرض
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا (3) سورة الرعد
بعد الدلالة على ذلك عدديا
عدد مرات ذكر كلمة أرض في القرآن
ولا التشكيك بعد ذلك في مفهوم المشي المرتبط بنفس مفهوم الأرض
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63) سورة الفرقان
ولا في مفهوم الأرجل وكونها المسؤولة بالفعل عن عملية المشي
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا (195) سورة الأَعراف
وأن ما فوق الإنسان هو عكس ما تحت أرجله
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ (66) سورة المائدة
الذي يدلنا أن السماء هي بالفعل وصف وتعريف لما فوق الأرض التي يدب عليها الإنسان
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) سورة ق
وأن الشمس والقمر والكواكب هي بالفعل أسماء للأجسام المنيرة في السماء والمزينة لها
إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) سورة الصافات
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) سورة نوح
حتى لا يأتي بعد ذلك أحد ويلغي وينفي هذه المفاهيم البديهية ويتجاهل الارتباط الواضح بين المصطلحات الدالة عليها ويخرج بمفاهيم مغايرة لهذه المصطلحات
لأن هناك بالفعل من أصبح يشكك في معاني مثل البينات اللغوية ويستبدلها بشكل عام أو خاص في بعض السياقات بمفاهيم لا تمت بصلة لواقع النص القرآني...بل هناك من أصبح يشكك بشكل مطلق في الفهم الموروث للغة القرآن بدون أدنى دليل...ولنا على سبيل المثال في التعريفات الحديثة لكلمة نجم خير مثال والذي تم الزعم مثالا في قول

وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) سورة الرحمن
على أنه نوع من النباتات وعلى أنه أجزاء الكتاب أو ما يسمى بالآيات في قول
فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) سورة الواقعة
بدون دليل واضح المعالم
حيث كانت الحجة في المثال الأول ذكر سجوده إلى جانب الشجر

وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) سورة الرحمن
دون الالتفات إلى تكرار نفس الحالة في سورة الحج مع ذكر أسماء أخرى
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (18) سورة الحج
دون أن يجعل ذلك بالضرورة من الشمس والقمر والجبال والدواب أنواع من النبتات !
ونفس الشيء بالنسبة لتعريف مواقع النجوم بالجمل والفقرات القرآنية الذي زعم دعاته دقة ما يسمى بالآيات القرآنية واستحالة تغيير محتواها
دون أن يضعوا في حسبانهم احتمالية أن تكون هذه الفقرات مجرد اجتهاد بشري لم يكن له وجود في النسخ الأولى من القرآن ودون أن يدركوا أن هناك أصلا اختلاف في محتوى وعدد آيات المصاحف الحالية

سورة نوح
حفص : وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا (23)
ورش : وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وُدّاٗ وَلَا سُوَاعاٗ (23) وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراٗۖ (24)
وأنه خلافا لما يزعمون فإنه يمكن تغيير محتوى الآيات دون الإخلال بدقة القرآن بل أن تغييرها في بعض الحالات
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) سورة البقرة
قد يكون أنسب وأدق

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (219) وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (220) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (221)
والسبب اعتمادهم على ما يسمونه لسان العرب الذي يعتبرونه نفس لسان قوم الرسول الذي نزل به القرآن دون التحقق من الأمر ليدركوا أنه مجرد مرآة حديثة
تعريف و معنى دلوك الشمس في معجم المعاني الجامع
دلكت الشّمس: زالَتْ عن كبد السَّماء، اصفَرَّت ومالت للغروب '' {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ''.
لفهم وقراءة السلف المذهبي لنص القرآن

تفسير القرطبي​

{ أقم الصلاة لدلوك الشمس } واختلف العلماء في الدلوك على قولين : أحدهما - أنه زوال الشمس عن كبد السماء؛ قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني - أن الدلوك هو المغرب؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّمْس إِذَا زَالَتْ عَنْ كَبِد السَّمَاء , فَقَدْ مَالَتْ لِلْغُرُوبِ
كما هو الشأن سواء مع تعريف النجم بالنبات

تفسير بن كثير​

{ والنجم } ؛ فروي عن ابن عباس { النجم } ما انبسط على وجه الأرض، يعني من النبات
أو تعريف النجوم بفقرات القرآن

تفسير بن كثير​

{ بمواقع النجوم } فقال ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقاً في السنين بعد،
وعدم تحققهم من المعاني الحقيقية للكلمات القرآنية من خلال العودة إلى مختلف استعمالاتها في كتاب الله الذي لم يرد فعل وقع ومشتقاته في أي نص من نصوصه للدلالة على المكان بل على السقوط
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ (171) سورة الأَعراف
والذي ورد في نصوص أخرى بمعنى مجازي للدلالة على حلول الشيء
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ (134) سورة الأَعراف
وهو ما يوحي بأن المفهوم الحقيقي لمصطلح مواقع النجوم هو مساقط النجوم وليس أمكان الفقرات القرآنية التي تبقى أقرب لمصطلح المواضع
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (46) سورة النساء
وطبعا المقصود ليس مصطلح النجم بتعريفه العلمي الحديث المقتصر على الشموس بل بتعريفه الشامل لكل جسم مضيء في السماء بما في ذلك النيازك في لسان مجتمع الرسول المعبر عن منطقهم البدائي الذي كان لا يميز بين طبيعة الأجرام السماوية القسم الذي تكرر بصيغة أخرى في سورة النجم
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) سورة النجم
في إشارة إلى سقوط النيازك
اعتمادا على استعمالات فعل هوى في مواضع أخرى والذي يدل بوضوح على السقوط
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) سورة الحج
بغض النظر عن استعمالاته المجازية في مواضع أخرى
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (37) سورة إِبراهيم
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) سورة طه
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) سورة النجم
وبدل النظر إلى النصوص بواقعية قامت بعض القراءات الحديثة بتجاهل الأمر والزعم بأن القرآن هو المقصود بالنجوم في سورة النجم ليصير معنى والنجم إذا هوى...حسب هذه القراءة المتكلفة هو والقرآن إذا سقط !
والتي تعد مثال حي لمدى سطحية ما يعتبره ويصفه البعض التدبر الحقيقي لكتاب الله...والأسوء من ذلك أنها تدعي اعتماد أسلوب تدبر القرآن بالقرآن لكن في أسوء مظاهره حيث تم خلط هداية القرآن الدينية

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) سورة الإسراء
بهداية النجوم في ظلمات البر والبحر
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (97) سورة الأَنعام
في إطار السياقات المتحدثة عن تسخير الطبيعة للإنسان
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) سورة النحل
والذي لا أدري على أي أساس تم ربطه بهداية وتنزيل القرآن !؟
ويبقى هذا نموذج بسيط لحجم الاختلافات في فهم كلمة وحيدة تعتبر من البديهيات اللغوية فما بالك بباقي الكلمات والجمل ؟ طبعا هذه ليست دعوة للتسليم المطلق fجميع البديهيات اللغوية الموروثة بل دعوة للتأني ودراسة الكلمات القرآنية والسياقات الواردة فيها حق الدراسة قبل التشكيك في مفاهيمها الموروثة التي تبقى لها الأولوية حتى ثبوت بطلانها واختلافها كما الشأن على سبيل المثال مع اسم الجبل الذي لا يوجد ما يدعو للتشكيك في معناه المتعارف في نصوص القرآن

وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) سورة الإسراء
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا (81) سورة النحل
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) سورة النبأ
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) سورة طه
باستثناء نص وحيد يوحي بعدم دلالة لفظ الجبل على الجبال الصخرية
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ (43) سورة النور
وفي هذه الحالة فقط يمكن إعادة النظر في مفهوم الكلمة للتأكد هل المقصود نوع من السحاب كما زعم البعض
أم أن المقصود ببساطة نفس النوع من الجبال وأنه مجرد وصف لظاهرة نزول البرد من قمم الجبال التي تعد سماء من منظور المخاطبين...ويبقى السياق هو الحكم في تحديد معاني الكلمات وخير مثال كلمة يوم التي إن جاءت في بعض النصوص بمفهومها الشائع الدال على فترة دوران الأرض حول محورها
وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (203) سورة البقرة
المعزز عدديا
عدد مرات ذكر كلمة يوم في القرآن
فإنه في المقابل يختلف في مواضع أخرى ليدل في بعض الحالات على فترات جد طويلة
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) سورة السجدة
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) سورة المعارج
ومن خلال دراسة المصطلح في مختلف المواضع القرآنية يتضح أنه ليس تعريف لفترة زمنية معينة بل تعريف لكل فترة زمنية مرتبطة بظواهر وأحداث معينة بغض النظر عن مدتها
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ (59) سورة طه
إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (9) سورة الجمعة
يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ (41) سورة الأَنْفال
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ (7) سورة الشورى
ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ (103) سورة هود
ابتداء من فترة النهار المقابلة لليل التي استعمل فيها المصطلح بصيغة الجمع لتعويض جمع كلمة النهار الغير مستعمل لغويا
وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا (7) سورة الحاقة
الفترة التي وصفت بالإضافة لليال السبع باليوم الواحد في موضع آخر لارتباطها بعذاب قوم عاد
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) سورة القمر
وانطلاقا من هذه المعطيات الواضحة وضوح الشمس يمكننا مواجهة الشبهات والرد على مزاعم منتقدي الإسلام بوجود تناقض بين النصوص
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) سورة مريم
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا (41) سورة آل عمران
أو خلق السماوات والأرض في ظرف ستة أيام أرضية
رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (54) سورة الأَعراف
أو لخلطهم بين تعريف مصطلح النجم في مجتمع البعثة وبين تعريفه المعاصر المقتصر على الشموس
وليس بادعاء أشياء من وحي الظن والخيال الذي لا يزيد سوى في الاختلاف في فهم كتاب الله وشبهات منتقدي الإسلام سوى حجية...لأنه مادامت لم تقدم دلائل صريحة من نصوص القرآن على بطلان المعنى المتوارث فسيظل المعنى المزعوم في أعين النقاد والمشككين مجرد محاولة تجميل وترقيع حتى لو كان صحيحا كما هو الشأن على سبيل المثال مع مصطلح اللائي لم يحضن الذي من الصعب إقناع المتشككين بدلالته عن فترة معينة من الحمل وليس على نكاح الصغيرة في قول

وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) سورة الطَّلَاق
بعد ذكره بشكل منفصل عن مصطلح الحمل الشامل في لغتنا المورثة لطيلة فترة حمل المرأة...لكن في المقابل عندما تعرض الدليل القاطع من النصوص على اقتصار مدة الحمل في لغة القرآن على الستة أشهر الأخيرة التي ينتفخ فيها بطن المرأة
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ (14) سورة لقمان
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا (15) سورة الأَحقاف
والذي تم تعريفه في مواضع أخرى بالإثقال
فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ (189) سورة الأَعراف
فإن ذلك يغير المعطى كليا
ونفس الملاحظة بالنسبة للفظي القلب والصدر اللذان من الصعب إقناع الناس بعدم دلالتهما في القرآن على نفس المعنى المتوارث والمترسخ منذ قرون والذي يطرح إشكال علمي كبير...لكن عندما تعرض عليهم النص الصريح الذي يوحي بدلالة مصطلح الصدر على ما يعرف حاليا بالرأس

أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (5) سورة هود
فإن ذلك يدعوا للتفكر وإعادة النظر في فهمنا لكلا المصطلحين لارتباط بعضهما ببعض
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) سورة الحج
وبوجود احتمال كبير بدلالة مصطلح القلب على الدماغ في حقيقة الأمر
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا (46) سورة الحج
وبالأخص إن تكررت الظاهرة مع مسلمات لغوية مشابهة كما هو الشأن مع مصطلح المرفق الذي يطرح معناه الموروث المستمد من قراءة الأولين
إشكالا كبيرا مع النص الذي ورد فيه اللفظ لذكره بصيغة الجمع
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (6) سورة المائدة
والذي يفترض أن يرد بصيغة المثنى مثل الكعبين لو كان المقصود بالفعل ما يسمى بمرفق اليد
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
وهو ما يوحي بعدم دلالته على نفس المعنى في لغة القرآن الأصلية
ونفس الملاحظة بالنسبة لمصطلح البطن الذي اعتمد اللغويون الأوائل على معناه الظاهر في غالبية النصوص القرآنية

رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا (35) سورة آل عمران
وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا (78) سورة النحل
وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ (45) سورة النور
والذي أصبح شائعا في لغتنا الحديثة دون الالتفات لمعناه الأعم الذي يدل على كل باطن الإنسان الذي وراء الجلود من عظام و عضلات ودماغ ورئتين الخ
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) سورة الحج
وإن استعمل في غالب النصوص للدلالة على جزء معين من باطن الإنسان فلأن الأسماء المعروفة في لغة القرآن لا تشير بالضرورة إلى عموم الجنس وأنها مجرد أداة لتعريف هوية الجنس المعطى البالغ الأهمية الذي سبق التطرق إليه في أكثر من مناسبة
الفرق بين التعريف في القرآن ولغتنا الحديثة
والذي يتم إغفاله في العديد من الأبحاث رغم تأثيره الكبير في تحديد معنى العديد من الكلمات والنصوص والأحكام القرآنية
فكما لاحظنا في الأمثلة السابقة فهناك نوعان من الثوابت اللغوية في القرآن ثوابت لا نقاش في سلامة مفاهيمها اللغوية المورثة كالشمس والقمر والسماء والأرض الخ والتي تمثل البناء اللغوي للقرآن والحكم على الصنف الثاني من الثوابت القابلة للخطأ لاستمداد مفاهيمها من فهم السلف للقرآن الذي تحول مع مرور الزمن إلى تسليم لغوي غير قابل للتشكيك...والتي يجب التعامل معها بحذر بعدم التسليم بمفاهيمها بشكل مطلق وفي نفس الوقت عدم التشكيك فيها بدون داعي ولا دليل...فعلى سبيل المثال عندما نقرأ اسم إبل في القرآن فإن عقولنا تذهب مباشرة إلى الحيوان المعرف بها في لغتنا الموروثة وعندما ندرك أنها فصيل من الأنعام

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ (144) سورة الأَنعام
القابلة للركوب والأكل
اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) سورة غافر
وأنها شكلها هو الأنسب للمثال المضروب بها في القرآن
أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) سورة الغاشية
فإنه لا يوجد ما يدعو للتشكيك في هويتها القرآنية
في المقابل عندما نطلع على النصوص المتحدثة عن الكلب فنلاحظ أنه حيوان يحمل عليه

فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (176) سورة الأَعراف
مثل الحمار
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (5) سورة الجمعة
فإن ذلك يطرح علامة استفهام كبرى بخصوص هوية الكلب الحقيقية التي لا تنطبق على أي حيوان معروف !؟ وهو ما يدعو لإعادة النظر في مفهوم اللهت نفسه
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (176) سورة الأَعراف
هل هو نوع من التنفس أم نوع من الأصوات الخاص بحيوان أو حيوانات معينة ؟
فعدم التسليم بالمورثات والمسلمات اللغوية حق مشروع بل ضرورة ملحة لتدبر كتاب الله حق التدبر لكن هذا السعي لا يجب أن يتحول إلى هوس وعادة دائمة غير خاضعة لقواعد ثابتة حتى مع أوضح الواضحات التي لا يوجد فيها تدعو للتشكيك حتى لا يصير الأمر فوضى وعبث بكتاب الله
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم